3- بيعة عثمان والشورى
وموقف المسلمين منها

 ثم قبل وفاة عمر عين ستة من كبار المهاجرين[1] وكان عمر يرى أن علي بن أبي طالب أولى بالخلافة من هؤلاء الستة[2] لكنه فضل أن يخرج من مسئولية الوصية بشخص معين وفضل أن يعين مرشحين للخلافة وجعل الأمر لهم بأن يختاروا أحدهم فكان الأمر متساوياً بين عثمان وعلي فآثر عبد الرحمن بن عوف استشارة الناس بعد تعادل كفتي علي وعثمان.

وكان من حسن حظ عثمان وسوء حظ علي أنه كان بالمدينة يومها أمراء الأمصار وأجنادهم قدموا للحج وكان هؤلاء فيمن استشارهم عبد الرحمن بن عوف ولا ريب أن معظم هؤلاء يفضل سياسة عثمان المتسامحة على سياسة علي الصارمة فكان أكثر الناس يومئذٍ على اختيار عثمان، ومع ذلك كأنَّ عبد الرحمن بن عوف أدرك هذا وخشي إن تولى عثمان أن (يحمل بني أمية على رقاب الناس) لما يعرفه من لين عثمان وكرمه وحبه لقومه (بني أمية)  فذهب ابن عوف إلى اشتراط شرط آخر  –إضافة لشرط العمل بالكتاب والسنة- وهو (العمل بسيرة الشيخين أبي بكر وعمر) وكان عبد الرحمن بن عوف يريد من هذا الشرط أن يتذكر الوالي الجديد سيرة أبي بكر وعمر اللذين لم يوليا أحداً من أقاربهما، فكأنه يريد إبراء ذمته بأخذ هذا العهد.

فكان من حسن حظ عثمان أيضاً أن علياً لن يوافق على هذا الشرط إذ كان يرى فيه تقييداً لسياسة الوالي الجديد وإلزاماً له بأمر غير ملزم شرعاً[3] فلذلك عاهد عليٌّ عبد الرحمن بن عوف على العمل بالكتاب والسنة فقط أما (اشتراط سنة الشيخين) فلم ير له مستنداً شرعياً، وكان علي عالماً من علماء الصحابة معتزاً بعلمه وفقهه لا يقلد أحداً وكان يخطئ عمر في كثير من القضايا والأحكام ويناقشه ويرد عليه فيرجع عمر إلى رأيه وفتاواه ويقول: (لولا علي لهلك عمر) فكأن علياً يقول: كيف ألتزم سيرة من كنت أعلم منه؟! وكان يستفيد من مشورتي ويرجع لعلمي؟!. إضافة لما في هذا الشرط من تقييد للاجتهاد.

لكن عثمان بن عفان وافق على الشرط دون تردد معاهداً عبد الرحمن بن عوف على العمل بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الشيخين[4] فلم يكن أمام عبد الرحمن بن عوف بد من بيعته وبايع علي لعثمان مع المبايعين لكن لم يكن راضياً عن هذه الطريقة أيضاً لوجود شرط غير شرعي كان سبباً في رفضه البيعة لنفسه.

وكان مع علي جماعة من المهاجرين والأنصار منهم عمار بن ياسر والمقداد بن عمرو وسلمان الفارسي وأبو ذر والبراء بن عازب وغيرهم يرونه الأولى بالخلافة، وكان مع عثمان أكثر الناس فتمت له البيعة من الموافق والمخالف ولم يريدوا أن يمتنعوا للأسباب السابق ذكرها في بيعة أبي بكر ولمكانة عثمان بن عفان وإنفاقه للمال في سبيل الله وهجرته وقربه من النبي (صلى الله عليه وسلم) -صهراً- وكونه من السابقين إلى الإسلام، لكن بقي حزب علي يرون في علي الأهلية لخلافة النبي (صلى الله عليه وسلم) فضلاً عن خلافته لعمر وكانوا يرون أن الأكثرية ليست مقياساً صحيحاً في أولوية عثمان خصوصاً وأنه قد استشير أمراء الأمصار وأجنادهم.

 


 

[1] وهم علي وعثمان وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم جميعاً.

[2] يدل على ذلك قول عمر (لو ولوها الأجلح لسلك بهم الطريق)، وقد ثبت هذا عن بأسانيد صحيحة (راجع على سبيل المثال المطالب العالية لابن حجر كتاب الخلافة) .

[3] إضافة إلى أن سيرة أبي بكر وعمر اختلفتا في كثير من الأمور كتوزيع العطاء وسبي حروب الردة وعزل الولاة ونحو ذلك من الأمور التي اختلفا فيها سياسياً أو فقهياً، أما العدل العام فيكفي فيه التزام العمل بكتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).

[4] ثم لم يستطع عثمان الوفاء بهذا الشرط فولى بني أمية وعمل أعمالاً أخرى أنكرت عليه حتى هجره عبد الرحمن بن عوف في آخر حياته لعدم التزامه بسنة عمر وقد اعتذر عثمان بأنه لا يطيق ذلك وهذا يتضمن اعترافاَ منه –رضي الله عنه- بعدم الالتزام بهذا الشرط من الناحية التطبيقية ولعل هذا مما جرَّأ الخارجين عليه وربما رأى بعضهم أن بيعته أصبحت باطلة لعدم وفائه بهذا الشرط لا سيما وأن أغلب الخارجين كانوا يحبون عمر كثيراً ويذكرون عدله. (هذا مفصل في كتابنا: الشورى وبيعة عثمان- لم يطبع).

 

< السابق                التالي >