الطموح والجريمه-2

بعد ان خرج من كابوس المحاكمة وقص على اصدقائه الحوار الذي دار بينه وبين الرائد ... سأل حمد عن صديقه سلطان ... فقيل له انه خرج من مكتب المخابر وذهب الى ( الكرفان ) ... الذي كان في ساحة العمل ويفصل بينها وبين مكتب المخابرة سيارات لندروفر تنام تحت مظلة كبيرة وسيارة نيسان حمراء وكابريس ابيض للرائد سالم والنقيب جمعه .. والكرفان مكان للاستراحة الجنود ... الذين انتهوا من عملهم او ينتظرون عملهم في مكتب المخابرة ... والتي كانت مرتبه على طريقة التناوب ( شفتات 


دخل حمد الكرفان ...كانت الانوار مطفئه ومن رائحة الدخان المنبعث من التبغ المحترق من صلب السجائر ووهجها تأكد ان صديقه يجلس على الكرسي الخشبي في زاوية الكرفان اليمنى

واذا بصوت سلطان يأتيه بنباراتٍ متوتره .. هلا حمد .. ذهب حمد وسلم عليه وجلس مقابله عاكـسا كرسيه

حمد : مرحبا سلطان شو يالس في الظلام بروحك ؟

سلطان : والله شوي ضايج

حمد : خير ان شاء الله ؟

سلطان : موقفين راتبي من شهرين والصبح رحت اراجع الماليه قالو لي ييب لنا اكتاب من وحدتك .. قلت لهم ... مطرشين لكم لكتاب من الشهر اللي طاف ... راجعت مكتب القلم ... وحصلت الرقيب خليفة .. كلمته بالموضوع .. وقال هو بيكلمهم 

حمد : والله مشاكل

سلطان : يا ريال والله ما يهمني الراتب بس تدري ماخذ سلفه من البنك ... والبنوك تعرف بلاويها .. ما يصدقون واحد يتأخر الا رفعوا عليه قضية ويزيدون فوايدهم

حمد : الله يغربلهم ان شاء الله

سلطان : اللي ضايقني يا حمد ان الفجر وانا طالع من البيت ... الحرمه ... اصّدق تبا تروح اتييب ملابسه من الخياط ... من 4 شهور وكل يوم اقولها الشهر اللّي ياي ... واليوم اللي احرجني انه عيد ميلاد اخوها ... فتبى تشتري له هديه ... لكن ... ( يقطع حمد حديثه قائلا : افا عليك ... ليش ما تكلمني من قبل ؟ 

سلطان : لا يا ريال .. بتنحل قريب .. وما تقصر يالطيب يعلك ذخر

اخرج حمد محفظته بكل هدوء ودون ان يشعر به صديقه واخرج مبلغا منها وارجعها الى جيب القميص

حمد : يمد يده ... تفضل

سلطان : لا والله ما ابا تسلم يا حمد

حمد : لا والله لازم تاخذهم والا بزعل منك ... عن ابوه احنا ربع ... ما بينه فرق .. وانا يوم يتاج بحط ايدي في جيبك وبخذ اللّي اباه 

سلطان : تسلم بس والله مكلم اخوي وقال بيتصرف لي

حمد : وانا شو ؟

س : تسلم والله

حمد : خل عنك ... خذهن وردهن لي يوم بتستلم راتبك

س : ما يحتاي

ح : يضع المبلغ في جيبه ... افا عليك

س : اوه نسيت اتخبرك .... والله اسف الله يلعن الشيطان .. شو صار لك بالمحاكمه

ح : الحمدلله .. الرايد كان متفهم وقدّر ظروفي

س : والا كان حمد نايم اليوم في القرقور ... وسلطان اييب له الكتب والعشا .. ها ها ها

ح : ها ها ها ها ها

س : ليش ما كملّت دراستك حمد ؟

حمد يبدأ في سرد قصته

وعاد لبداية معانته مع النظام التربوي حبن كان في الصف الرابع

كان الاهتمامُ منصبا على المتفوقين من الدارسين وابناء الوافدين ... لانهم كانوا ابناء المدرسون او اصدقاء عوائلهم او بحكم انهم (بلديات) ؟!! وايضا هم ابناء اناسٍ تخطوا مرحلة الامية

استاذ التربيه الفنيه : ده ايه يا حمار

حمد : ورده

أ : دي ورده دي ؟!! انت عبيط يا وله وله اهبل

حمد : ينظر للاستاذ ولا يدري ما يقوله ... فقد ادار كف الاستاذ رأسه وغث باله شتمه

وعرف حمد الأن فقط الان وهو يروي القصة لماذا رسم نخلة حين طلب منهم الاستاذ رسم ورده

فالنخلة كانت تأخذ في باله وخياله شكل الوردة والثمرة ... وترمز للحب مثلما يوحي الورد ... وكان معذورا فلم يتعامل مع الورد بشكل حقيقي .. وكانت عاداتهم فيما مضى واعرافهم ان التمر هو عنوان المحبه بين الاهالي والنخلة رمزها

وسرد اسباب هروبه من المدرسة وعلل ضيقه ونظرته للمدرسة على انها سجن جماعي يدخله ليكرر مسلسل الهروب اليومي معه 

وقد كان البيت هو السجن الذي لا يستطع منه الهروب بشكل حقيقي

وتذكر ...... كيف كان يُزج في غرفه صغيرة كأنها زنزانة عقابا له على خروجه ... وكيف كان يُوجّه ابوه له الاوامر ولبقية اخوته

الاب : ما اباكم تطلعون ابد ... واللي يطلع بفره في البّخار ؟

ورغم ان حمد من النوع الغامض والكتوم لكن ارتياحه المتبادل مع صديقه سلطان جعله يسرد هذه الذكريات رغم خصوصيتها 

الجده : لا تضربه ... اخوك يا سالم .. برايه خله يشوف الدنيه بّرع 

اخوه سالم : شوف اذا البّخار ما أدبك .. بعرف كيف أأدبك يا حيوان

حمد : حيوان محد غيرك

الجده : مسّود الويه ترد على اخوك ... خسّ الله مذهبك 

سالم : يشفي ردوده بالضرب المبرح والكلام الذي لا لم يغادر ذاكرته ... وحمد يقاوم ـ يد اخيه سالم الذي يكبره بعشرة سنين ـ بلا جدوى ... دون ان يهرب رغم ان المسافة كانت تسمح له بالهروب قبل ان يأتيه اخوه سالم .... فهو اي حمد يعتبر الهروب ذل وخنوع وجبن ... ولا بعترف بالمثل الدارج ( الشرده نص المريله 

وسرد مواجهته مع وكيل المدرسة حين كان في الصف الثاني الاعدادي ... فقد كان يتصور انه اصبح رجلا ومن العيب ان تمتد عليه يد كائنا كان 

الاخصائي الاجتماعي : اعتبرني صديقك يا حمد وقولي ليش ما تبى تدرس ؟

حمد : ما احب الدراسه .. اضيق وايد اهنيه

الاخصائي بكل تقدير وتحضر : شوف حمد انا ما ودي اضغط عليك بس انا ابا مصلحتك ... واذا تبى تطلع الحين او حتى تترك الدارسة انا بكلم لك الادراة بس اقنعني ليش ما تبى تدرس ؟

لم يكن حمد بالمنطق الذي يستطيع معه وبه شرح معاناته واقناع الاخصائي لكنه يدرك ذلك دون ان يستطيع التعبير عنه ... وايضا شرح الظروف الخاصة في نظره عيبا كبيرا لانه قد يترك انطباعا سيئا عن عائلته في نظر الآخرين ... وهو امرا يرفضه حمد جملة وتفصيلا .. لذات السبب 

الاخصائي : رد علي يا حمد ليش ؟ ... وصدقني بتفهم ظروفك

يحاول حمد ان يرتب افكاره ... ويوضح جانبا من معاناته ... ويبدء 

لكن يقطع عليه بداية حديثه وكيل المدرسة

الوكيل : ها وين وصلت وياه ؟

الاخصائي : يقترب من الوكيل ويهمس له بكلام استنتج حمد من خلاله ان الاخصائي يدافع عنه ... ولا يدري حمد لماذا وكيف توصل لهذا الاستناج ... هل لانه ارتاح للاخصائي .. ام لعلمه من خلال تجربته ان الاخصائي رجلا متحضرا يدافع عن الفضيلة بكل اشكالها ويعالج الاخطاء بحكمة وصبر 

سمع صوت الوكيل يعلو : مصّخها هذا... انته والله عاطنه ويه ... هالناس ما يعرفون مثل هذا الكلام خلني انا اعرف كيف اخليه يمشي مثل العصا 

الاخصائي يحاول ان يقنع الوكيل ... لحظتها احس حمد انه وضع الاخصائي في موقف حرج ... فحمل نفسه وخرج وخرج معه الوكيل .. وسحب حمد من يده وحمد يفكر سحب يده بقوه من قبضة الوكيل الحديديه ... لكن بيت الشعر الذي حفظه عن ظهر قلب والذي يحث على تبجيل المعلم وايفائه حقه  يمنعه ان يقدم على هذا التصرف فالوكيل في عينه معلم تدرج الى ان وصل الى هذه المرتبه 

الوكيل : شوف هالحركات ماتمشي عندي بشرخك بالعصا لين اتهر 

ازعج اذن حمد هذا الوصف ... فسحب يده بقوه من يد الوكيل وقال دون وعي  تخسي والله

وتلقى من الوكيل صفعاتٍ لم تبرد الى الان رغم تلاشي آثارها بعد ساعاتٍ من الضرب 

وكانت ردة فعل حمد انه صرخ بصوتٍ عال 

لا تضرب شو انا حيوان ؟

في هذه اللحظات احس حمد بصمتٍ قاتل مع تشويش وصفير في اذنيه . وربما يكون هذا ناتج عن قوة الصفعات ؟ أو لاحساسه بأن احدا لا يفهه وانه وحيد رغم اجتماعيته

واذا بالاخصائي يأتي وبأسى ينظر للوكيل ويقول له

افا عليك يا ابو عبدالله مب شذيه تحل المشاكل ويحاول ان يواسي حمد بنظراتٍ حانيه

تخون الدموع عينا حمد ... ويأسف في اعماق نفسه ان تخونه دموعه ... فالدمع كما اختزل وترسب في عقله الباطن من خلال عادات وتقاليد الفريج ... ضعف وهزيمة وانكـسار .. والرجل لا يبكي ابدا ... فقال وهو يصرخ بألم ويشعر بغبن موجها كلامه للوكيل 

بتشوف اذا ما حرقت سيارتك والا انا مب ريال 

ويركض حمد يتلمس باب الخروج بذاكرته... فالصفعات وشعوره بالخزي على ما يبدو شوشا افكاره واطارا صوابه 

ورغم ان حمد لا يعرف نوع سيارة الوكيل او حتى لونها ... لكن على ما يبدو تهديده كان نوع من حفظ ماء الوجه وتعويض لضعفه وردة فعل لتصرف الوكيل معه 

وليس غريبا اذا ما عرفنا ان بعض هذه المشاهد لمعت كالبرق في ذاكرته وهو يسرد قصته لصديقه سلطان دون ان يفصّل لصديقه دقائق الامور ... لكن سرد له مشاهد من سناريو الالم 

فقال له صديقه سلطان بشيء من الاهتمام والمواساة: ان شاء الله حرقت سيارته ؟

حمد : خرجت من المدرسه وكنت بحرق سيارته بس كانوا يركضون ورايه 

ورغم ان هذا الكلام في الحقيقة مبالغ فيه ... ولم يكن ليقدم حمد على مثل هذا التصرف لانه رغم ألمه لا يؤمن بالانتقام ... وخصوصا بهذا الشكل 

خرج حمد من المدرسة وراح يتوارى عن انظار الناس .. فهو يظن ان العالم يرقبه وانه خارج على القانون 

واخذ يحدث نفسه .. لماذا قلت اني سأحرق سيارته ؟!.. ويجيب على نفسه  كان يجب ان اهدد وحتى اكثر من الكلام ... حتى لا يقولوا عني جبان 

اتجه حمد الى البحر وكأن البحر هو الذي يتفهم آلامه مثل الاخصائي الاجتماعي ... وسلك طريقه الى حيث يسكن والمسافة كانت تقارب الخمسة كيلو مترات .. وكان حين يلمح من بعد قدوم سيارات ينام على الارض ويزحف وكأنه في معركة او مهمة سرية ... فقد كان يخشى ان يلمحه احد 

وصل الى ( فريجه )عن طريق البحر وشعر حينها بشيء من الارتياح فهو الآن في مملكته ... ويعرف مكامن الخطر واماكن الاختباء وكيف يقضي وقته ... وراح يضع اصبعيه في فمه ويصفر بين البيوت المهجوره على البحر ... وهذه الاطلال كانت حارته القديمة التي ترعر بين احضانها .. لكن انتقلوا منها وهجرها اهلها بعد ان قامت الدولة بتوزيع المساكن الشعبيه على المواطنين .. وكان يرى ان البيوت الشعبية نقمة في ظاهرها نعمه رغم انها مريحة لكنها ليست كبيوت الطين الحانيه واهل الفريج الذين كانوا على قلب واحد ... تفرقوا مع توزيع المساكن الشعبيه ومن هذا المنطلق يجد ان توزيع المساكن بشكل عشوائي امر غبي جدا 

وحين اخذ يصفر ... واذا بخطواتٍ عجله جعلته يرتجف .. ونظر للخلف واذا بكلبه الذي كان يصفر له يلوح بذيله ويركض بسرعه اتينا من مكانا مجهول ... وفرح حمد واحس انه وجد صاحبه الامين الذي سيقضي معه وقته الى ان يعود للبيت

وحين رجع الى البيت مع موعد رجوع الطلاب من مدارسهم 

وجد سيارة الشرطة تقف امام منزلهم ؟

خفق قلب حمد خفقاتٍ اوقفته عن السير .. وكان بقرب بيتهم مسجد فتسلل نحوه وصعد منارته من خلال السلم اللولبي واخذ يحدق من الاعلى الى سيارة الشرطة والشرطي الذي يقف امام باب منزلهم ... ورأى أمه داخل البيت وهي تضع الطعام لاخوانه الصغار ... واحس حمد بشيء من الارتياح ... ولا يدري سبب هذا الارتياح هل لانه قريبا من الله وفي مكانٍ مقدس ام لانه رأى امه التي تتفهمه جيد فهي بالنسبة له قلب يمشي على الارض ... ام الاثنين معا 

لكن عاوده الارتجاف مع خروج اخيه سالم من صحن الدار وحديثه مع الشرطي


 

 السابقهالرئيسية