لا أعبد ما تعبدون..!!

 

الحرب العالمية الثالثة.. بدأت..!!

 

***

 

كنت أريد، ولو على سبيل التظاهر، أن أساهم في طوفان دموع التماسيح المتهاطلة من أربعة أركان العالم حزنا على خسائر أمريكا وقتلاها..

كنت أريد..

ولو ذرا للرماد في العيون.. ولو كقربان  أقدمه  إلي الوثن الذي يريد من العالم أن يعبده من دون الله.. ذلك الذي انتقل من قمم جبال الأوليمب إلي البيت الأبيض .. قربان يُسمح لي  بعده أن أقول بعض ما أريد..

قربان يُسمح لي بعده أن أقول: ولكن..

ولكن رسل الوثن جاءت إلينا بالنذير والتحذير من " ولكن "[1] هذه..

كنت أريد أن أزايد بدموعي..

لكنني اكتشفت أن رصيدي من الدموع مستنزف منذ مائة عام ومحجوز لمائة عام أخرى..

نعم..

كنت أريد أن أشارك في طوفان دموع التماسيح من أربعة أركان العالم.. لكنني اكتشفت، أنني في وسط النوازل الهائلة والهوائل النازلة والملاحم والفتن، لم أملك الوقت أبدا لأبكى شهداءنا.. وأن الدموع المستحقة لهم دين علىّ، وأنه ديْن لا يسقط بالتقادم، و أن عليّ أن أؤديه قضاء ما دمت قد عجزت عن تأديته في حين حدوثه..

كنت أريد أن أشارك .. لكن دموعي مرهونة لقرن قادم، ربما بعدها يأتي الدور لأبكى خمسة آلاف أو حتى خمسين ألف أمريكي قتيل..

هل قلت : خمسة آلاف؟..

هل قلت : خمسين ألفا؟!..

ياله من رقم ضئيل..

نعم.. رقم ضئيل .. ولن أعجز عن سداد حقه من دموع التماسيح.. ولكن بعد أن أؤدي ما على من دين من الدموع..

  - ديْن لفلسطين:261000 شهيدا  و186000  جريحا  و161000 معوقا،  وهجرة مليونين تحولوا  إلى خمسة ملايين لاجئ.

- وديْن للبنان: 90000 شهيدا و115000 جريحا و96270 معوقا.

- ودين لمصر 39000 شهيدا و73000  جريحا و61000 معوقا.

الأرقام الباقية غير دقيقة أو غير متاحة لكنها تشير إلى ثلاثين ألف  شهيد سوري  وخمسة آلاف أردني،  ويحصر أنتوني كرودسمان[2] إجمالي الخسائر البشرية المباشرة في الحرب العربية الإسرائيلية-متجاهلا الشهداء الفلسطينيين- فيبلغ عددهم 184249  شهيدا منهم  74533  من العسكريين و109516من المدنيين.

   109516   شهيدا  مدنيا لم يأبه لهم العالم المتحضر ولم يذرف عليهم دمعة واحدة..

نعم..

كنت أريد أن أشارك – ولو على سبيل التظاهر – بذرف دموع  تتهاطل  في أربعة أركان الأرض، وفى كل ركن من الأرض يوجد للدموع سبب ولون وطعم.. فما بين مشاركة حقيقية لوحدة المصير بين طغاة العالم والتاريخ الذين اكتشفوا فجأة أن زعيمهم يمكن أن يضرب و أن الرجل المسيحي الأبيض يمكن أن يصرخ ويتألم وينزف الدماء .. ويموت.. فإذا كانت أمريكا قد تم ضربها بهذه القوة: فماذا سيحدث لهم؟[3] ..                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                 وما بين مجاملة لا يخسر من يؤديها شيئا.. وما بين مستفيد من أرباح الحرب التي تقود أمريكا العالم إليها..

في كل ركن من الأرض يوجد للدموع سبب ولون وطعم.. إلا في عالمنا العربي.. فقد كان سبب ذرف هذه الدموع هو  إظهار ولاء العبد للسيد والجارية لمالكها ومولاها.. وكان لونها لون العار .. وطعمها طعم الذل..

تماما.. كرجل يترك بيته المهدم.. و أشلاء أبنائه.. ودماء أهله .. وماله السليب  ليصرخ مشاركا بدموع هي لا ريب دموع التماسيح يذرفها من أجل جرح بسيط جدا ألمّ بإصبع من فعل به كل هذا.. من هدم بيته.. وقتل أهله.. وسلب أرضه .. وسرق ماله..

يترك هذا الديوث دماء أكثر من أربعمائة ألف شهيد مدني (فالأرقام السابقة تعود إلى بداية التسعينيات من القرن العشرين) هم ضحايانا المباشرون بسبب إسرائيل بسلاح أمريكي..

هل قلت سلاحا؟..

يالي من ساذج ضللته دعايات ولاة أمره..

لقد كانت أمريكا هي القاتل الرئيسي.. بل الوحيد.. ولم تكن إسرائيل سوى قفاز لها ضغط الزناد.. أو على الأحرى ضُغط من خلاله على الزناد..

نعم.. كانت أمريكا هي القاتل الرئيسي.. ولست أبرئ إسرائيل.. لكنني أضعها في مكانها الحقيقي من الصراع.. قاعدة عسكرية متقدمة للغرب.. وحاملة طائرات أمريكية ثابتة.. الأمر الذي يدحض كل نظرياتنا السابقة عن تأثير اللوبي اليهودي علي القرار الأمريكي.. أو عن الاعتماد الغربي علي إسرائيل للحفاظ علي المصالح.. فالغرب وإسرائيل كيان واحد.. كيان واحد لا يتجزأ..  كيان واحد حاولوا خداعنا عن حقيقته كي نراهن علي الحل الأمريكي.. وكي تكون المشكلة هي عجزنا عن إقناع الرأي العام الغربي بعدالة قضايانا وهو ما يعني أننا بمجرد إقناع الغرب بعدالة قضايانا فسوف يبادر بتحقيق العدل.. وكانت وجهة النظر تلك – ونسميها وجهة النظر تجاوزا-  فلا الغفلة ولا الجهل ولا التواطؤ المتآمر الخائن يمكن أن تكون وجهات نظر- تهدف إلى صرفنا عن  المشكلة الحقيقية والتي تتمثل في عجزنا عن مواجهة الغرب في الحرب التي يشنها علينا.. في الإرهاب الذي يمارسه ضدنا منذ قرون.

يدمي القلب أننا نقول ذلك منذ عقود، و أننا كنا مجرد استمرار لمن ظل يقوله عبر القرون، والأمر الآن أجل و أخطر من أن نثبت أننا كنا على صواب وكان الآخرون علي خطأ، فالمصيبة أن الحقيقة كانت معروفة، بل واضحة وجلية، لكن وجد دائما من يسخر ممن يكشف تلك الحقيقة، ويواجهه بالاستنكار والسخرية والازدراء والاتهام بأن عجزنا عن مواجهة الواقع والتكيف معه يدفعنا إلي تبني نظرية المؤامرة . وربما يأتي كتاب الأستاذ رضا هلال[4] ، وهو كاتب ليبرالي، بالمفهوم الغربي الكامل حتى أن صحيفة الواشنطن بوست انتقدت الأهرام – التي يعمل فيها – لأنها لا تمنحه مساحة كافية للكتابة، يأتي كتابه  ليقول ما كنا نحذر منه منذ عشرات بل ومئات الأعوام. ويكشف الكتاب  مدي سيطرة اليهودية على المسيحية الأمريكية ( البروستانتية) حيث أصبحت تشكل التيار الأقوى في الشارع الأمريكي، وهو تيار يتبنى – للغرابة – أسطورة انتظار المسيح  ليقود حرب نهاية التاريخ ضد المسلمين . يقول رضا هلال في كتابه:

" ولم تقتصر "أجندة" المسيحية السياسية والأصولية على تهيئة المجتمع الأمريكي لعودة المسيح ، بل إنها ضمنت الأجندة رسالة صليبية عالمية..(..) أصبح ضمن رسالة المسيحية السياسية والأصولية في أمريكا تحضير العالم لنهاية التاريخ وللمجيء الثاني للمسيح ."

ويكشف رضا هلال أن الشعب الأمريكي شعب متدين. إذ أن 95% من الأمريكيين يعتقدون في وجود الله. كما أن 82 % من الأمريكيين يعتبرون أنفسهم متدينين. أما من يذهبون إلى الكنيسة أسبوعيا في أمريكا ، فنسبتهم 44%.

 وأعتقد أن هذه النسبة التي قد تفاجئ القارئ ربما تزيد كثيرا عن نسبة المترددين علي المساجد في العالم الإسلامي .

ولقد ارتبط تدين وتهود أمريكا بنشأتها . فالمهاجرون الأوائل اعتبروا أمريكا هي "أورشليم الجديدة" أو "كنعان الجديدة" ، وشبهوا أنفسهم بالعبرانيين القدماء حين فروا من ظلم فرعون (الملك الإنجليزي جيمس الأول ) وهربوا من أرض مصر (إنجلترا) بحثا عن أرض الميعاد الجديدة . وبالمشابهة ، أصبحت مطاردة المهاجرين البروتستانت للهنود الحمر في العالم الجديد (أمريكا) مثل مطاردة العبرانيين القدماء للكنعانيين في فلسطين .

وقد وجد المستوطنون في حكايات "سفر الخروج " من العبر والوصايا، نبراسا في تأسيس مشروع أمريكا . فالعبودية في مصر ، والخروج ، والتيه، ودخول أرض الميعاد وإبادة أهلها . . . أصبحت تاريخا معادا ومستقبلا للشعب المختار الجديد في أرض الميعاد الجديدة .

لقد كان تحويل العالم الجديد إلى إسرائيل جديدة ، هو أساس مشروع المستوطنين البروتستانت البيورتانيين الأوائل . فطالما حلموا في إنجلترا بتطبيق شريعة التوراة ، ولما جاءوا إلى أمريكا حلموا بدولة تحكمها أحكام الرب ، حتى إن المؤرخ جون فيسك قال : "حيث ترى تاريخا يصنع في أمريكا ، تجد تاريخا أمريكيا يهوديا".

يقول الدكتور سامي منصور أنه لابد أن نعترف بأن من يحكم أمريكا حالياً هو اليمين المتطرف الذي يستند على نسبة خمسين بالمائة من الشعب الأمريكي الذين يؤمنون بالمسيحية الصهيونية وتلك الفئة تؤمن بضرورة تجزئة العرب بكل الطرق , كما أنها تاريخياً هي التي أنشأت إسرائيل لتفصل بين الشمال العربي "بغداد – دمشق" وجنوبه "القاهرة" .

ولقد ترتب علي ذلك أن تحيز الأمريكيين لإسرائيل  ليس بسبب عجزنا عن إقناع أمريكا بعدالة قضيتنا، بل لأن الثقافة الأمريكية ثقافة يهو- مسيحية تقوم على التقاليد  الأخلاقية والدينية لليهودية والمسيحية ، أي "التراث اليهودي المسيحي" ، الأمر الذي ترجم في النهاية إلى معنى سياسي هو توافق القيم الأمريكية والإسرائيلية توافقا كامل يجعل كلا منهما امتدادا للأخرى.[5]

نعن.. كنا نقول ذلك منذ عقود وكان أساتذتنا يقولونه منذ قرون.. وكنا علي صواب حين ربطنا كل حروب الغرب ضدنا بالدين. من المؤكد أن هناك أسبابا أخري، لكنها أطراف ما كان لها أن تتجمع أو أن تنجح ما لم تكن مرتبطة بعمود فقري هو الصليب.

***

 من أجل ذلك فلقد ألقي توقيت أحداث 11 سبتمبر ظلالا عميقة من الهواجس والشكوك حول أهداف توابعها.. لقد حطم الغرب محمد علي وجمال عبد الناصر رغم أن اتجاههما لم يكن إسلاميا وذلك لخوفه من تحول قوتهما إلي نواة لإعادة تجميع المسلمين واسترداد قوتهم. وفي عام 1990 بدا أن التحالفات العربية الإسلامية التي تواكبت مع الانتفاضة الفلسطينية آنذاك  خلقت نوعا من التوازن النسبي مع إسرائيل.. فكانت حرب الخليج التي دمرت هذا التوازن وقضت علي الانتفاضة.. وفي عام 2001 بدا أن الفلسطينيين قد اهتدوا إلي نموذج للنضال يستطيع أن يزلزل الوجود الإسرائيلي من أساسه.. وكان لابد للرد أن يكون شاملا  وكاملا كالحرب علي الإرهاب.. كان علي الجيوش أن تهرع لنجدة مفرزتها  وحاملة طائراتها الثابتة. وبدا العرب والمسلمون أعجز من أي وقت مضي.. وكان ذلك طبيعيا.. فمن سلم الباقي من الإرادة في عام 1990 لأمريكا لا يمكنه أن يواجهها في عام 2001.

أمريكا التي كانت السبب المباشر في قتل ملايين المسلمين خلال العقود الأخيرة .. واعتبرها المغفلون والمتواطئون الخونة منا وسيطا نزيها وعادلا وراعيا للسلام.!!..

أمريكا التي قتلت منا مئات الآلاف ..

والأرقام التي ذكرناها عن ضحايانا – كنتيجة مباشرة للإرهاب الأمريكي ضدنا - رغم فداحتها يمكن أن تتضاعف لو أضفنا إلييها ضحايا الفتن التي أشعلتها إسرائيل  في عالمنا العربي ..

ثم أن هذه الأضعاف المضاعفة يمكن أن تتضاعف مرة أخرى إذا أضفنا ضحايا أمريكا وحلفائها في عالمنا العربي والإسلامي..

مليون ونصف المليون في الجزائر..

مليونان في العراق..

مليون في إيران..

مليون في إندونيسيا..

مئات الآلاف في خراسان  والباكستان وبنجلاديش والفليبين والصومال..[6]

ولن نتكلم عن الأسري الذين قتلوا أحياء..

ولا عن آلام أمهات ثكلت.. وزوجات ترملت.. وملايين الأطفال تيتموا..

***

علىّ ديون من الدموع هي حق لثمانية ملايين ونصف من أهلي.. ثم تريدون منى أن أترك كل هذا لأبكى خمسة آلاف أمريكي.. فإن لم أفعل كنت إرهابيا ووحشا..

تريدون منى دموعا على مصرع مدنيين مسالمين.. فهل كانت سلوى حجازي جنرالا.. أم كان أطفال بحر البقر مشاة في البحرية أم كان عمال أبى زعبل طيارين أم كانت السويس التي لم يبق فيها منزل قائم أم الإسماعيلية التي شهدت دمارا رهيبا أم ليبيا أم العراق أم مصنع الشفاء في السودان.. أم.. أم.. أم..

تريدون منى دموعا عاجلة على عمارتين أو ثلاث .. ياله من أمر مضحك.. فكيف يأسى على عمارتين من عرف منكم وبكم كيف تهدم أوطان وتمحى مدن.. وتقصف ملاجئ هرع إليها الناس التماسا للحماية والأمان..

أم نسينا قانا والعامرية..

***

كان ما حدث في مخبأ العامرية مجدا للشيطان و أي مجد …

ومجدا للأمريكان و أي مجد..

هاجمت طائرة أمريكية من نوع الشبح ملجأ العامرية بصاروخ موجه بالليزر: " … محدثا فتحة في السطح والسقف وانفجر في مستشفى الملجأ، وبعد أربع دقائق وجه صاروخ آخر غبر الفتحة نفسها التي أحدثها الصاروخ الأول، و أغلق انفجار الصاروخ الثاني الأبواب الفولاذية التي يبلغ وزنها ستة أطنان وسمكها نصف متر،  وأحرق مئات عدة من الأشخاص ، في الطابق الأعلى تبخر كثيرون منهم بالحرارة، التي بلغت درجتها آلافا عدة والمتولدة من الانفجار، وكان مصير مئات عدة من الأشخاص الغليان حتى الموت في مياه المراجل الضخمة المدمرة في الانفجار، لا يُعرف على وجه التأكيد عدد المدنيين الذين قُتلوا في ملجأ العامرية في تلك الليلة، كان السجل المدونة به أسماء الأشخاص الذين احتموا بالملجأ قد أودع في الملجأ نفسه ولم يعد له أثر ، ولكن من المعروف أنه قبل تلك الليلة، كان 1500 شخص يوقعون عند دخول الملجأ كل ليلة، وعُثر بعد المجزرة على أحد عشر شخصا قُذف بهم خارج الملجأ، وبعد ساعات عدة مرعبة استُخرجت من البناية البقايا السوداء المشوهة لأربعمائة وثلاثة أشخاص، وقدر أن مئات عدة من الأشخاص قد احترقوا وتبخروا ولم تعد ثمة وسيلة لتحديد هويتهم أو حتى عددهم، ووصف شهود منهم تام دالى، العضو العمالي في البرلمان البريطاني آثار النساء والأطفال المتفحمة على جدران الملجأ، تفحمت طبعات أقدام و أيد صغيرة على الجدران والسقوف وانطبعت على جدران الطابق الأسفل عند علامة الماء في الخزانات المتفجرة آثار اللحم البشرى على ارتفاع خمسة أقدام…[7]"

كل هذا ثم يحتجون لأن العراق لم يندد بما حدث لخمسة آلاف أمريكي وعمارتين.

والآبق باول[8]، يتهم صدام حسين في إنسانيته لأنه لم يحزن من أجل خمسة آلاف أمريكي.. ونسى أنه على يديه قُتل مليون عراقي، وعلى أيدي قومه مات مليون آخر، ونسى الآبق ملجأ العامرية.

يالها من خسة.. وياله من عار..

***

كنت أريد، ولو على سبيل التظاهر أن أساهم في طوفان دموع التماسيح المتهاطلة من أربعة أركان العالم حزنا على خسائر أمريكا وقتلاها..

كنت أريد أن أفعل ذلك.. إن لم يكن خوفا من أمريكا فخوفا من حلفائها بيننا.. ( من تسميهم أمريكا: الحلفاء .. تسميهم الأمة : العملاء) ..

***

حاولت..

أبت الكلمات أن تطيعني.. و أبى القلم..

ضجّت روحي : هل تخون الله؟‍..

جأرت نفسي: هل تخون ثمانية ملايين قتيل ونصف وهل هان عليك شرذمة أمة وتفتيت أوطان وتدمير وجود..

أنّ ضميري: هل تخون نفسك؟..

في مواقف المفاصلة لا توجد مساومة..

لن أفعل ما يريدون منى ومن الأمة أن تفعله.. ولن نخجل مما يجب أن نفخر به لنفخر بما يجب أن نخجل منه..

فلتتهمنا أمريكا وعملاؤها بما شاءوا ..

فأن يفعلوا ذلك بالباطل خير لنا من أن يفعلوه بالحق..

***

لقد كان الطرح الأمريكي للقضية جريمة.. فمنذ اللحظات الأولي كان شعار إما معنا أو مع الإرهاب، بلا نقاش، بلا تعقيب ولا تحفظ، ممنوع حتى أن تقول أنك مع أمريكا ثم تعقبها بكلمة " لكن". حتى ولو كانت " لكن" هذه في تساؤل جوهري مثل : "لكن" ما الدليل؟ ، أو : " لكن" لماذا لا تكون العملية من تدبير جماعات أمريكية؟.. أو نحن مع أمريكا خصم للإرهاب " لكن " نريد تعريفا للإرهاب ترعاه الأمم المتحدة..[9] أو نحن مع أمريكا " لكن " باعتبارنا مع أمريكا نمثل الخصم فإننا نريد حكما محايدا يحكم ويصدر الإدانة وسننفذ مع أمريكا هذا الحكم.

كان كل ذلك مرفوضا..

وكان الطرح علي العالم الإسلامي أيضا جريمة..

كان السؤال: هل يؤيد الإسلام الإرهاب؟.. وكان نذير النبرة واضحا وصريحا أنه إن كانت الإجابة بنعم فسوف يصدر قرار بإلغائه- إلغاء الإسلام- وإعدام معتنقيه!!..

كان الطرح خاطئا.. فمن الوجهة النظرية فإن الإسلام دين سماوي وليس قولا بشريا يمكن المفاوضة فيه والمساومة عليه والتنازل عنه أو التعديل فيه.

ومن الوجهة القانونية كان ينبغي تقديم الأدلة قبل توجيه الاتهام..

ومن وجهة الشرعية الدولية – حتى إذا ثبت الاتهام – كان يجب أن يكون التساؤل: هل من حق دولة أو مجموعة من الدول قتلت منهم أمريكا ثمانية ملايين ونصف إنسان الأغلبية الساحقة فيهم من المدنيين أن يقتلوا خمسة آلاف أمريكي..؟!

وكان يجب أيضا توجيه السؤال إلي أمريكا التي لم تنس ثأرها في لبنان فتحاول أن تشعل فيه الفتنة الطائفية من جديد.. ولا من الصومال بسبب قتل 18 أمريكيا بعد أن قتل الجيش الأمريكي مئات الصوماليين.. كان يجب توجيه السؤال إليها: إن كان من حقها أن تثأر من الآخرين أليس من حق الآخرين أن يثأروا منها؟..

ومع ذلك كله وقبله كله وبعده كله وبغض النظر عنه كله فإننا  – بهدى من ديننا – لسنا ضد قتل البشر فقط.. بل ضد تجويع هرة أو قطع شجرة.. يعصم الآخرين منا ألا يظلمونا.. فإن فعلوا.. فعلينا أن نعاقبهم بمثل ما عاقبونا به.. وحتى في هذه.. فقد حضنا ديننا على الصبر.. لكنه صبر القادر لا صبر العاجز.. صبر العفو عند المقدرة..

***

مساء يوم 11 سبتمبر نزلت إلي الشارع كي ألمس بنفسي رد فعل الشارع المصري..

ولم أجد واحدا فقط حزينا لما حدث..

بجوار مؤسسة حكومية كان هناك جنديان للحراسة.. اقتربت منهما متسائلا عما حدث.. راحا يتسابقان في الإجابة.. وامتلأت عينا أحدهما بالدموع وهو يقول:

v      الآن أخذنا ثأرنا لمحمد الدرة..

 

***

 في بريدي أيضا وجدت مئات الرسائل..

وكانت واحدة منها تقول:

" كان مشهد العديد من الأحياء الذين بقوا في المبنى الكبير بعد أن اخترقته الطائرتان كان ثمت من يشير بمنديل أبيض ويلوح في يأس لعل أحد يراه ويأتي لإنقاذه ، وظل يلوح ويلوح بقوة ثم بدأت هذه التلويحات تضعف شيئا فشيئا… ثم.. ثم انهار المبنى بكامله أمام العيان وكاميرات التصوير.  ألا يذكرنا هذا بشيء بمشهد قريب غير بعيد عن الأذهان وقد حانت ذكراه السنوية . نعم كان يلوح هو الآخر ويلوح ويلوح بيده ظاناً أنه بهذا قد يمنع جنود الاحتلال من إطلاق النار عليه وعلى ابنه المذعور في أحضانه.. ولكنها تلك اللحظة التي كان يتوق لها جلادوه وينتظرها صيادوه حين أطلقوا النار عليه وعلى ابنه بلا رحمة بمدفع أمريكي الصنع وقد أردوه قتيلاً أمام رؤوس الأشهاد ، لم تفلح تلويحاته وقتها في منعهم ولم يتحرك العالم لإنقاذه كما لم يقدر أحد من ملايين ممن شاهدوا ذلك اليوم علي إنقاذ الملوحين في المبنى الأمريكي قبيل انهياره… إنها عدالة السماء التي يتناساها دائماً أهل الأرض  صدق الله العظيم "إن ربك لبالمرصاد" والله أكبر ولله الحمد"…

رسالة أخري كانت تقول:

"ليس من المهم من ذا الذي فعلها ولكن المهم أنهم قد ذاقوها، وإن طال الزمن.. ترى هل تذوقوا الآن طعم الألم الذي طالما جرعت حكوماتهم  كئوسه لشعوب العالم أجمع !!؟؟. ترى هل أحس الملوح بيده ما معنى أن يكون أمل إنسان في الحياة… كل أمله في الحياة أن يلمحه أحد أو يحس بوجوده أحد أو ينتبه للخطر الذي يتربص به أحد ، فيبادر لنجدته ، هل أحسوا حين لا تفلح تلك الشارات في إنقاذه من الموت فيتسرب إليه اليأس شيئاً فشيئاً ، وتخور قواه شيئاً فشيئاً،  وتخبو طاقته شيئا فشيئا فشيئا،  فلا ترحمه الأقدار ويقضى الله أمراً كان مفعولا،  وهل شعروا بمرارة أن تكون تلك الأقدار من صنع البشر وبإرادة سفك الدماء التي جبلت عليها نفوسهم ، وأن يكون كل هذا على مرأى ومسمع ومشهد من الناس جميعاً .؟؟.. ترى هل شعر المدفونون تحت أنقاض الحديد المحترق، بلهيب جدران (ملجأ العامرية) الذي ضرب بصواريخهم لتستحيل أجساد اكثر من ألف وخمسمائة طفل وامرأة ممن كانوا بالملجأ إلى كتل متفحمة مغيبة المعالم .؟؟ ترى هل شعر أهالي الضحايا بقسوة الموت الجماعي وألم المقابر الجماعية في البوسنة وكوسوفا وصبرا وشاتيلا و..و.. حين يتم التعرف على أجساد الموتى بصعوبة شديدة بعد عمليات التمثيل بالجثث ،وبعد فترات من التحلل. ترى هل شعروا بمهانة الحظر في ليبيا بتهمٍ ملفقة ، ومحاصرة أفغانستان بجرائم معلقة ، وضرب السودان بأحكامٍ مسبّقة.

ثم ماذا عن نابالم هانوى ،ويورانيوم عاصفة الصحراء، وإشعاع هيروشيما وناجازاكى و…سلسلة الجرائم التي لا نهاية لها…ترى هل أحسوا بألمها الآن

لا نستطيع الآن إلا أن نتلو قوله تعالى "ذق إنك أنت العزيز الكريم "

ورسالة أخري كتب مرسلها:

كم سيسعدني كثيراً بغض النظر عن النتائج أن تكون آخر العبارات المسجلة بالصندوق الأسود بإحدى الطائرات الفدائية بالأمس عبارة :

 " توكلت على الله"!![10]

***

وبعد أن عدت إلي منزلي مساء ذلك اليوم  أتابع الأحداث لم أشعر بشماتة ولا بفرح.. فللموت جلاله حتى ولو كان من يموت كلبا.. فما بالنا بخمسة آلاف نفس..

على العكس.. كنت أجلس أمام التلفاز والدموع تملأ عينىّ..

لا..

أعترف..

ليس إشفاقا.. ولا تعاطفا..

و إنما رعب من الله.. القوى القهار العزيز المذل المنتقم العادل.. وكيف يأخذ الطغاة أخذ عزيز مقتدر.. يأخذهم في اللحظة التي بلغ ازدهاؤهم بأنفسهم فيها أن ظنوا أنهم قد ملكوا أقطار الأرض و أصبحوا قادرين عليها..

يأخذهم ويحيط بهم من حيث لم يحتسبوا..

***

تتحدث الأسطورة الإغريقية القديمة عن البطل أخيلوس، الذي حابته الآلهة (أستغفر الله مما يقولون لكن هكذا تقول الأسطورة) فقررت أن تمنحه الخلد فغمسته في مائه فأصبح جسمه كله محصنا ضد الهلاك ما عدا جزء صغير أعلى كعبي قدميه..كان من يغمسه في ماء الخلد يمسكه من هذه النقطة فلم يصل ماء الخلد إليها ( مازال هذا الجزء أعلى القدم يسمى حتى الآن باسم : وتر أخيلوس) .. وكبر أخيلوس ليصبح البطل الذي لا يقهر، وظن أنه قادر على الدنيا وما فيها حتى اكتشف أحد أعدائه نقطة ضعفه.. فرماه بسهم أعلى كعبه.. فمات البطل الأسطوري الذي لا يقهر والذي ظن لنفسه الخلد..

كان تقديري للأمر أن ما حدث هو خطة لم يعرف لها التاريخ مثيلا..  وأنه – كما يقولون – أنجح ( عملية إرهاب..!) في التاريخ.. وأن التخطيط كان عبقريا والنجاح في التنفيذ كان مذهلا.. والإعداد كان طويلا ومضنيا.. وحجم الاختراق للمؤسسات الأمريكية كان هائلا..

كان العبقري في الأمر أكثر من أي شئ آخر هو اكتشاف وتر أخيلوس الأمريكي.. الجزء الهش غير المحصن.. والذي يمكن النيل من أمريكا بإصابته.. وهو ليس جزءا بعرض الإصبع كما في أخيلوس.. بل مساحة شاسعة تغطى أمريكا كلها وامتداداتها في الخارج..

نعم كان العبقري كشف هشاشة أمريكا و إمكانية إصابتها في مقتل..

كل العملية كان عبقريا.. ابتداء من التمرن على قيادة الطائرات إلى اختراق الشفرة إلى معرفة الأماكن التي تضرب.. إلى التزامن الأسطوري.. وعلى سبيل المثال فإن الاصطدام بناطحات السحاب لم يكن ليأتى بهذا الأثر المدمر لو حدث الارتطام أعلى قليلا أو أوطى قليلا مما حدث.. وأن حدوثه بين الطابق الثمانين والخامس والثمانين قد خلخل هذه الأدوار وترك خمسة وعشرين طابقا غير مستقرة.. لتهوى هذه الطوابق العليا الخمسة والعشرين بكل ثقلها على باقي الأدوار الثمانين  كمطرقة ضخمة فتدكها دكا..

وعلى سبيل المثال أيضا فإن الطائرة التي ارتطمت بالبنتاجون  لم ترتطم بأي مكان فيه.. بل ارتطمت بمقر مكاتب القيادة .

الخطة عبقرية والتخطيط متقن والاختراق هائل والتنفيذ مذهل  وكنت أرى أن المسلمين هم آخر المشتبه فيهم.. ليس لأنهم يفتقدون العبقرية والذكاء.. ولكن لأن أمريكا – راعية العالم الحر تحاصرهم وتقف دونهم فلا تسمح حتى لحلفائها بتجاوز نقاط معينة في العلم والتكنولوجيا.. ولنتذكر مرة أخري الطائرة المصرية التي أسقطوها.. لأنهم اكتشفوا أن بعض خبرائها قد تجاوزا معرفة المسموح لهم به.

هذا هو الشق الأول في الأمر..

الشق الثاني: أن كفاءة العملية تبدو كما لو أنها عملية دولة وليست عملية أفراد أو منظمات.. لكن.. يستبعد هذا الافتراض أن مثل هذه الدولة ستمحى من الوجود محوا إذا ما تم اكتشافها[11]..

الشق الثالث: أن عملية كهذه من يقدر عليها ليس لديه الدوافع لتنفيذها ومن لديه الدواعي لا يقدر..

فإذا استبعدنا المسلمين – ولو مؤقتا – لا تبقى لدينا سوى جهات قليلة تستطيع القيام بهذا العمل الخارق..( وفرق بين الخارق والأخرق!)..

1- المنظمات الأمريكية السرية، وهى بالغة القوة، ويفرض ستار كامل من السرية والتعتيم على نشاطاتها وقدراتها.. لكن عدد أعضائها يتجاوز المائة ألف.. وهى القادرة بطبيعة الحال على القيام باختراق هائل للمؤسسة الأمريكية لا يشعر به أحد .. فهم في النهاية أمريكيون. يشجع على هذا الافتراض ما حدث في أوكلاهوما.

2-  الموساد والمنظمات الصهيونية.. وللقارئ أن يعود إلى كتاب : "العملية هيبرون"  الذي كتبه ضابط مخابرات أمريكي وخصص له محمد حسنين هيكل مقالة كاملة في مجلة الكتب وجهات نظر . إن إسرائيل هي المستفيد الأول مما حدث، وبالتالي فهي المتهم الأول فيه.

3-  الجيش الأحمر الياباني انتقاما لهيروشيما ونجازاكى.

4-  الصرب.. انتقاما ..

إلا أن هذه الافتراضات كلها ليست مصمتة ولا مطلقة، وكل الاحتمالات ممكنة، فقد يكون ثمة تحالف ما بين منظمة صهيونية واليمين الأمريكي تحت رعاية وتخطيط الموساد واستخدم في العملية صربيون ( الغريب أن هذا هو نفس التشكيل في كتاب: العملية هيبرون).

***

وفى كل الاحتمالات و أيا كان من قام بالعملية فإن الإسلام حاضر.. ذلك أن قدرة الأبطال الاستشهاديين في فلسطين هي التي كشفت للعالم القدرة المذهلة الكامنة في الجسد البشرى لشهيد..

و أيا كان من قام بالعملية فقد كان الإسلام معلمه و أستاذه.. وذلك يكشف جزءا من الرعب الذي يحيط بهم الآن..

و أيا كان من قام بالعملية فهي تهمة لا ننكرها وشرف لا ندعيه..

إننا ضد قتل المدنيين - والعسكريين أيضا – في أي مكان في الدنيا.. لكننا لا يمكن أن نندد  بقتل خمسة آلاف ممن قتلوا منا ثمانية  ملايين ونصف المليون.. ولا يمكن أن نستنكر أن اليد التي امتدت بالخنجر وذبحتنا.. قد أصابها – أثناء عملية الذبح وبسببها – خدش..!!..

***

إنني أطرح هذا التحليل أمامكم يا قراء.. أمامكم أنتم وليس أمام ولاة أمورنا ولا أمام الغرب.. فقط لنكون على بينة من أمرنا.. ولندرك أن فهمنا للأحداث لن يغير شيئا.. فالإعلام يزيف الوقائع والأدلة ..

ولقد علمنا إعلام الغرب أنه لا يوجد إعلام صادق و إعلام كاذب.. و إنما يوجد إعلام غبي وإعلام ذكى.. وكلاهما كاذب.. لكن الغبي هو الذي يُكتشف.

***

إن أمريكا تقود العالم أمامها كقطيع من السائمة.. تماما كما فعلت في حرب الخليج..

لقد اتهم  المسلمون لتضرب بلادهم.. ولقد تورط  ولاة أمورنا مرة أخرى في حماقة عظمى وخيانة عظمى كالتي تورطوا فيها في حرب الخليج..

لقد شقوا العالم العربي.. لكن أمريكا لم تكتف منهم بذلك.. فهي تريد منهم شق العالم الإسلامي أيضا..

وقد فعلوا..!!

***

لكم كان مضحكا ومذلا ومهينا تسابقهم في إظهار الولاء..

وكان مبكيا ومذلا ومهينا عجزهم عن اقتناص الفرصة ومحاولة إقناع أمريكا أن سياساتها هي التي تؤدى إلى خرابها.. و أنهم على الرغم من كل محاولاتهم قد فقدوا السيطرة على شعوبهم بعد أن فاض الكيل وزاد الميل.. وأنهم على الرغم من عجزهم فهم الأفضل لأمريكا على الإطلاق.. فما من حاكم سيذهب لتجد أمريكا بعده من هو أطوع لها منه.. و أنهم ينقرضون .. وعلى أمريكا أن تساعدهم كي لا ينقرضوا بالتخفيف من غلوائها.

***

تقود أمريكا العالم إلى محرقة جديدة..

ذلك لأن سنة الله فيمن ظلم ظلمها أن يقوده ظلمه إلى الهلاك.

لأنها لو أنصفت، ولو كان الله يريد لها الخير لراجعت نفسها وكفت عن معاداة العالم كله.

لكنها لن تكف..

***

وضع أمريكا صعب أو مستحيل..

إنها كما يرى الكتاب الغربيون أنفسهم أكثر الدول إجراما في التاريخ..

ولو أنها أرادت الكف عن الظلم والصلف والكبرياء والغرور فإنها لن تستطيع.. فهي لم تعرف سوى هذه الوسائل سبيلا.. ثم أن شركائها في الظلم من ناحية أخرى لن يسمحوا لها بالانسحاب من السفينة الغارقة لتتركهم وحدهم فيها..

ولنفترض على سبيل المثال أن أمريكا أدركت جسامة الأخطار المحدقة بها بسبب ظلمها وعدوانها على المسلمين.. و أنها قررت أن تنسحب أو تعتدل.. فهل ستسمح لها العصابات الصهيونية بذلك؟.. أم ستعاقبها بإرهاب ( لا جهاد ) أشد وأنكى.

لا تستطيع أمريكا إذن أن تتراجع.. ولا تستطيع شيئا سوى مواصلة طريقها نحو الهلاك.

***

عبقرية ما حدث، أيا كان من قام به فعلا، وكيفما كانت الطريقة،  أنه كشف كشفا عبقريا  يستطيع جل المجاهدين دون كل الإرهابيين الاستفادة منه.. أو على الأقل.. نقلته من حيز النظرية المجهولة إلى نطاق التجربة المذهلة في نجاحها.. هذا الكشف هو استغلال أسلحة العدو في تدميره.. فإذا توافرت القدرة على التضحية حتى الاستشهاد فكيف تحمى أمريكا – وذيولها - أنفسهم .

كيف يستطيعون حماية أنفسهم من قنابل بشرية متحركة تحت وطأة ظلم أسطوري وطغيان واستكبار بلا حد ، و قد تسنح لها الفرصة في أي وقت وفى أي مكان فتنتهزها.. بداية من الصدام بحافلة وقطار وطائرة ومرورا بإشعال النار في محطات وقود وانتهاء بتفجير قنابل كيماوية وبيولوجية وحتى نووية.

***

منذ أعوام كنت  قد كتبت مقالا [12] أحذر فيه أمريكا من أن الإفراط في الظلم سيهلكها، وأنه لن تمر أعوام طويلة حتى تفاجأ بقنابل نووية تنفجر في نيويورك وشيكاجو وكاليفورنيا.. ذلك أن الظلم المذهل.. مواكبا للتقدم العلمي المذهل.. سيتيح لأفراد أو لمنظمات صغيرة تصنيع هذه الأسلحة في غضون سنوات قليلة.

قلت ذلك..

وهاهو ذا يتحقق..

من اليسير مع تصاعد المقاومة ضد أمريكا أن نلاحظ التطور الكيفي لهذه العمليات.. فمن عملية بيروت التي كانت المفاجأة فيها والابتكار عذرا لأمريكا ..  إلى عملية محدودة في الصومال.. إلى خطوة هائلة في تدمير المدمرة الأمريكية كول .. إلى تطور مذهل في العملية الأخيرة..

نعم.. لو أراد الله الخير بأمريكا لارتدعت..

لكنها لن ترتدع ولن تنكص..

ستزيد من جرعة الظلم والطغيان.. وستزيد بالتالي من الحافز على جهاد ظلمها.. وستوجه سهام كثيرة إلى وتر أخيلوس الأمريكي..

لقد كانت أحداث 11 سبتمبر رد فعل لما سبقها من ظلم وطغيان الغطرسة الأمريكية.. فإذا زاد الظلم والطغيان والغطرسة فلابد أن نتوقع أعمالا أشد وأنكي..

وسيترتب على ذلك كله تداعيات من مجتمع لم تجمعه إلا القوة والأمن وانعدام المخاطر والعقاب..

ستقع أمريكا في ورطة.. فلا هي قادرة على إبادة المسلمين جميعا كما أبادت الهنود الحمر  وفى نفس الوقت فلو أنها قتلت مئات الملايين من المسلمين لبقي من يستطيع مقاومتها.. والانتصار عليها .. خاصة بعد أن قامت هي بنفسها بتمزيق منظومتها الفكرية وقناعها الأخلاقي.

سيتعرض المجتمع الأمريكي لظروف من انعدام الأمن لم يتعود عليها..

لقد أدت العملية العبقرية الأخيرة إلى شرخ في التحالف الأمريكي الأوروبي، وتهامست أصوات من أوروبا تقرر أن أوروبا بمأمن من هذه العمليات لأنها لم تظلم المسلمين ولم تبطش وتنكل بهم كما فعلت أمريكا..

لقد زلزل انهيار عمارتين أو ثلاث ومصرع خمسة آلاف المجتمع الأمريكي حتى النخاع..

ماذا سيفعل هذا المجتمع إزاء عمليات أكبر و أكثر..

إن المسلمين الذين يمتهنون اليوم قد يثأرون لأنفسهم بعد خمسين عاما..

تماما كما تقبل العقل الجمعي للعالم أن القائم بالعملية الأخيرة قد يكون من الجيش الأحمر الياباني انتقاما يأتي بعد خمسين عاما.. بل وأكثر..

في العمليات التالية أيا كان مرتكبها .. و أظنها ستتعدد.. وستشجع كل عملية عمليات أخرى .. ولن تقتصر على جنس أو لون أو دين.. فلقد عم الظلم الأمريكي العالم كله ..

العمليات القادمة إذن  أمر حتمي ورد فعل لا مناص منه للبطش والطغيان الأمريكي.. بعد ذلك سينتقل الشرخ إلى المجتمع الأمريكي ذاته..

وستنهار أمريكا من داخلها كما انهار الاتحاد السوفيتي.

***

نعم..

هذه العملية العبقرية – أيا كان مرتكبها – هي بداية الحرب العالمية الثالثة..

ولكي لا يتصور القارئ أنني أبالغ فإن هذا العنوان ليس عنواني أنا.. بل اقتبسته من الكاتب الأمريكي الشهير توماس فريدمان حيث كان عنوان مقاله في صحيفة النيويورك تايمز بعيد أحداث 11 سبتمبر[13]..

بدأت الحرب العالمية الثالثة.. وسوف تخسرها أمريكا..

فليضربوا كيفما شاءوا و أينما شاءوا لكن ذلك لن يغير من النهاية شيئا..

فليقتلوا من شاءوا.. فلطالما قتلوا – وقتل أسلافهم -  المجاهدين والأنبياء والرسل..

ولم يغير ذلك من النهاية شيئا.. واندحر الطغاة وانهزموا..

***

قلت لكم يا قراء أن عنوان هذا المقال مقتبس من توماس فريدمان..

أما العنوان الذي كتبته أنا.. تبريرا لموقفي الذي لا أستطيع فيه مشاركتهم  في طوفان دموع التماسيح المتهاطلة من أربعة أركان العالم حزنا على خسائر أمريكا وقتلاها .. فقد كان:

 

لا أعبد ما تعبدون[14]

 

السابق

المحتويات

التالي

 



[1] - كان الشعار الأمريكي: إما معنا أو مع الإرهاب، ولم يكن أي تحفظ مقبولا، وعبر عن هذا التوجه الدكتور مأمون الفندي الذي ابتكر تعبير: بن لكن" والذي أصبح مثار التعليق والسخرية. والدكتور الفندي عضو سابق بحزب التجمع المصري، و موظف حاليا بالإدارة الأمريكية، و آراؤه تعبر عن كليهما.

[2] - بعد العاصفة- التغيرات في التوازن العسكرى في الشرق الأوسط- أنتوني هـ. كرودسمان- ترجمة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة- دار الهلال.

[3] - في اليوم التالي لأحداث 11 سبتمبر كانت الافتتاحية الرئيسية لصحيفة اللوموند الفرنسية: " كلنا أمريكا،أما الصحف الألمانية فقالت: " كلنا نيوورك".

[4] - المسيح اليهودي ونهاية العالم- مكتبة الشروق- والكتاب نشر في عام 2000م: أي قبل أحداث 11 سبتمبر.

[5] -  راجع أيضا سلسلة مقالات للأستاذ محمود سلطان بصحيفة الحياة اللندنية  عام 1998، وسلسلة مقالات للدكتورة نورة السعد بصحيفة الرياض السعودية 2001م.

[6] -  يذكر الدكتور أيمن الظواهري  رقم ثمانية ملايين ونصف كضحايا مسلمين للعنف الأمريكي في العقدين الماضيين. راجع مذكرات أيمن الظواهري بصحيفة الشرق الأوسط اللندنية: نوفمبر وديسمبر 2001

[7] - التنكيل بالعراق- جيف سيمونز. مركز دراسات الوحدة العربية.

[8] - المسئول العسكري الرئيسي عن الحرب علي العراق، ووزير الخارجية الأمريكية حاليا.

[9] - كان هذا اقتراحا تبنته مصر ورفضته أمريكا بإصرار، رغم علمها بأن الأمم المتحدة طوع أمرها و أنها تستطيع الحصول منها علي القرارات التي تريدها، لكنه الكبرياء والتعالي وازدراء العالم، والخشية أيضا من أي معارضة مهما كانت ضئيلة وغير مؤثرة في اتخاذ القرار. فالمطلوب إيمان مطلق بما تقول وتري.

[10] -  العبارة التي اعتبرتها الأجهزة الأمريكية دليلا علي انتحار الطيار المصري ومسئوليته عن إسقاط طائرته بركابها عام 99، وكان أحد الاحتمالات التي رفضتها الإدارة الأمريكية بازدراء أن يكون سقوط الطائرة المصرية بسبب عمل تخريبي تكنولوجي عالي المستوي قامت فيه أجهزة من المخابرات الإسرائيلية والأمريكية  بالتحكم الإليكتروني في الطائرة لإسقاطها. ويشاء الله أن يكون هذا الاحتمال هو أقوي الاحتمالات المطروحة لما حدث يوم 11 سبتمبر.

[11] - ذهب محمد حسنين هيكل في عدد أكتوبر من مجلة "الكتب وجهات نظر" إلي شكوكه في أن يكون وراء العملية أجهزة ناقمة لدولة لم يعد لها وجود، مثل الاتحاد السوفيتي أو يوغسلافيا، ورجح الأخيرة.

[12] - راجع للمؤلف: " بغداد عروس عروبتكم" – مدبولي الصغير.

[13] - نيويورك تايمز- 13-9-2001.

[14] - نشر الجزء الأكبر من هذا المقال في صحيفة الشعب المصرية علي الإنترنت يوم الجمعة 14-11 أي بعد أحداث 11 سبتمبر بأيام ثلاثة، وكان الإعلام العربي كله وكأنما أخذته الصعقة فاقتصر علي ترديد ما يقوله الإعلام الأمريكي، وبلغ الأمر حد المهزلة حين ربط التلفاز المصري إرسالة بقناة الـCNN  وبدون ترجمة!.  وكانت هذه أول مقالة تتصدي للاتهام الأمريكي دون ذل وخضوع و إحساس بالذنب فتلقفتها عشرات الصحف والساحات الإليكترونية العربية، ونشرتها.