* هل من إفادة حول البدايات ، الأصدقاء ورفقاء الكتابة ؟

كان المناخ الثقافي والسياسي العام خانقا في الوقت الذي أخذت فيه حساسيتي الأدبية تتفتق ووعي بالواقع يتفتح ، فقد بدأت الكتابة خلال السنوات الأولى لثمانينات القرن الفائت ، وكانت أولى النصوص التي قدمتني ككاتب قصة أنجزت عام 1983 ولم يكن ذاك العام هو عام تتويج النفوذ السياسي الشرس والأيدلوجي المتوحش للإسلامويين فحسب ، وانما كان أيضا بالمقابل والنتيجة بمثابة إعلان وعيد وإرهاب وحرب ضد البؤر الثقافية القليلة والمتناثرة سوءا تلك التي كانت تعلم من خلال المؤسسات والأجهزة والقنوات الثقافية والإعلامية للنظام المايوي أو تلك التي كانت تتحرك خارج "شرعية" مؤسساته وأجهزته الثقافية والإعلامية ، لكنها كانت ما وسعها ذلك ، تتوسل قنوات تلك المؤسسات والأجهزة . ومن تلك المؤسسات والأجهزة والقنوات على الصعيد الرسمي معهد الموسيقى والمسرح ، كلية الفنون الجملية والتطبيقية ، مجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح،  الأقسام الثقافية لصحيفتي الأيام والصحافة ، مجلة الثقافة السودانية ومجلة الخرطوم.

أما المؤسسات الثقافية أو التجمعات الثقافية التي كانت ، في الغالب ، بلا قنوات خاصة بها ، أو ذات قنوات ضاربة في الصدفة والضمور، فإن أهمها كان يتمثل - على غير سبيل الحصر -  في رابطة الجزيرة للآداب والفنون ،  رابطة سنار الأدبية ،  جماعة تجاوز وندوة الجندول

ومع تعاظم النفوذ السياسي والإداري المحموم للإسلامويين ، كانت تلك المؤسسات والأجهزة والقنوات، وغيرها طبعا، تتعرض للبطش الأيديولوجي والوظيفي والأمني ، بهذه الدرجة أو تلك في هذا الموقع ،  أو ذاك .

في مناخ متوتر كذاك نشأت - وغيري حتما -  وأخذت أتلمس طريق الأدب والفن والثقافة والسياسة وكان من أهم ما دلني على بعض تلك المؤسسات والأجهزة والقنوات وبعض رموزها والمساهمين فيها،  ما درجنا على تسميته بـ صالون بشّار ،كان ذلك عبارة عن منزل أستاذنا وصديقنا، فيما بعد  ،بشار الكتبي بأم درمان -  المهدية ، فقد كان صالونا عفويا للتآنس الثقافي المختلط بأمنيات التجانس السياسي ، وكانت أسئلتي الأدبية ،  الثقافية ، الفنية والسياسية الأولى الحارقة ، قد أنجزت في ذلك الصالون وبمساعدته ، وعلاوة ذلك ، أورثني ذلك الصالون علاقات اجتماعية ما يزال بعضها يتمتع بالرسوخ والفراشات . حيث تعرفت في ذلك الصالون على ( وأفدت من ) بالإضافة إلى بشار نفسه ، على عدد من المثقفين والمبدعين ،  أذكر تمثيلا فحسب ، عبد الوهاب حسن الخليفة ، أحمد عبد المكرم ، سامي سالم ، عبد الله محمد إبراهيم ،  عمر الطيب الدوش ، محمد مدني ،  عادل عبد الرحمن ،  محمد عثمان عبد النبي ، أحمد المصطفى الحاج ،  سيد أحمد بلال ، سعد الدين إبراهيم ، التجاني سعيد ،  محمد خلف الله سليمان ، صلاح إبراهيم ، عبد الله محمد الطيب ، خالد عبد الله حسن و... و... يمكن القول إنه قد تمت إحدى ولاداتي الأساسية ،  في ذلك الصالون ،  ومنذ مدة غير قصيرة،  قررت أن ثمة شيئان سيحرضاني على الكتابة عنها: صالون بشار وكشك الجرائد الصديق لخلف الله سعد .

بعد ذلك ، وأثناء ذلك ، كان لدينا أيضا نحن بعض مرتادي ذلك الصالون وبعض ممن لم يرتادوه تقليدا يمكن تسميته بـ "غداء ثقافي" ، أو "قيلولة ثقافية" ،  تتمثل في قيام أحدنا ( وغالبا ما يكون قد أنجز نصا جديدا)  بدعوة الآخرين للغداء في منزله ،( وأحيانا في غير منزله) ،  لمناقشة ذلك النص ،حيث كنا نتعرض بالنقاش والنقد المعافى لنصوصنا لا سيما وأن النشر كانت إمكاناته ما فتئت تتضاءل ، مما ساهم في إكسابنا ، بنسب متفاوتة طبعا ، مزية الإصغاء والتقبل ومشروعية الاختلاف .

*كيف تنظر إلى التأجيل الذي صاحب صدور هذه القصص في كتاب ، كيف تشعر بقصة كتبت في منتصف الثمانينات ثم تجد حظها في النشر ، بالكاد ، في عام 2002 ؟

- تأخر صدور هذه المجموعة يعود  ، بقدر ما ، إلى الفترات العصبية التي عشتها بالمنفي، مما يمكن التقاطه بيسر من معرض إجابات سابقة لهذا الحوار . كما كان للاقتراح الذي تلقيته من عبد الرحمن منيف بواسطة الصديق عصام عبد الحفيظ دورا في ذلك، وكان ذلك الاقتراح يعرض نشر هذه المجموعة بدمشق  (وربما بيروت ). وكان ذلك،  وما يزال ، يبدو لي أكثر جاذبية ، من جهة جمال التنضيد الطباعي والإخراجي ، والقنوات التوزيعية النشطة . لكن لم أتحرك ( وهذا هو أس العلة ) بما يليق من النشاط لتلبية ذلك الاقتراح ولا لغيره . إن ذلك يعود بدرجة غير قليلة للطريقة السيئة في الغالب التي كنت أدير بها بعض شؤوني في معظم سنوات المنفى ، ولولا الحماس والتصدي العملي لبضعة أصدقاء ، حميمين وصميمين ، ( وأنت ، دون شبهة ملق ، في مقدمتهم ) لما بدأت حتى  في تجميع نصوصي المبعثرة على قلتها ولتأخر صدروها أعواما أخرى بلا ريب .  ولو كنت أعلم أن نشر وصدور هذه المجموعة سيتركني بمثل هذه الحال من "النظافة" ، لفعلت ذلك منذ وقت بعيد . فشكرا ، في كل الأحوال .                                  

 

السابق الصفحة الرئيسية