* تبدو غالبية النصوص كمونولوج محكم تسبقه أحيانا ملاحظات من لدن الراوي ، وأحيانا كثيرة حوارات ، وفي ما يخص الحوارات يبدو لي أن الحوار الذي دار أثناء لعبة الدينمو في "صور زينكوغرافية ليوم عادي  " من الحوارات الطريفة التي لا تخلو من متعة وترميز هادئ في ما يخص مضمون الفكرة المحمولة داخل الحوار على حساب الرقم الخاص بلعبة الدينمو . أعني أن هنالك شئ ما ، إيقاعي ولا يخلو من دلالة ، كما أنه ليس من قبيل الصدفة أن تنتصر خبرة اللاعب العجوز ، إلى أي حد تزعجك هذه القراءة ؟ من ناحية ثانية ألا ترى أن اعتماد طريقة المونولوج أوقعت بعض النصوص في المقابلة : مثلا المونولوج في " المرآة تعادي الارتباك " يكاد يقع مقابلا أو معكوسا للمونولوج في " عفوا ، كنت أمارس فيك العشق " ، لماذا هذه العناية بالمونولوج ثم الكولاج ، هل لك أن تضئ هذه التقنية

للمونولوج حضور نافذ في معظم قصصي ،بدرجات متفاوتة من قصة لأخرى وربما يعود ذلك ، بوجه رئيس ، إلى تراكم قراءاتي  للنصوص السردية ، الروائية بشكل خاص ، ثم القصصية ، وغيرها حتما . وقد يفيد في هذا الصدد ملاحظة حفاوتي بالسرد الذي يقوم على ضمير المتكلم الذي هو في الغالب ، حار ، حميم ، إفضائي ، دفّاق ، ورشيق . إنه كجسد يكشف أسراره بالإيقاع والرقص كي يهمد توتر السريرة . ذلك من أندى و أبهى ما يفعل ويبتغي المونولوج .

أما الكولاج ( وربما المونتاج ، ما دمنا قد أتينا على ذكر الرشاقة ) ، فهو عنصر أسلوبي – تقني ، يكاد ينتظم جل قصصي ، بنسب متفاوتة وأشكال متباينة . وقد يكون ذلك نتيجة مؤثرات متعددة ومختلفة . من ذلك – بالدرجة الأولى فيما أظن – ولعي بالنص السينمائي .

ومع ذلك – وربما بسبب من ذلك – أرى أن الطرائق الملتوية ، التي قد تومئ إلى بعض المصادر المؤثرة ستظل تجعل من كلام الكاتب عن إبداعه كلاما اقرب للزعم ، كونها تتكئ – اكثر، وفي الغالب – على الأحاسيس ولذة التأمل . إذ أنها كثيرا ما تكون عصية على التقصي والحصر والبرهنة .

أعتقد أن معظم شخصيات قصصي عبارة عن شخصيات داخلية . شخصيات تكابد الكتمان . تعاني من سريرة ملتهبة . وهي ليست كذلك إلا لأن الخارج يطأ أشواقها . شخصيات كهذه لا بد أن تتمتع بحساسية عالية تجاه الأشياء حولها وعلاقتها ونظام عملها . ومن أهم تلك الأشياء : اللغة ولما كانت اللغة البرانية هي إحدى أدوات الوطء ، فإن إحدى وسائل المقاومة السرية تكمن في الانحراف عن نظام اللغة المستبدة بتبني علائق مغايرة للغة . تلك بعض"مهام"  الشخصية الداخلية ، بما هي شخصية بالغة الحساسية .

هذا من ناحية . ومن ناحية أخرى , إذا قصدت أن تشير بسؤالك إلى علاقة الذات الكاتبة بذوات النصوص فإن الأمر هنا يختلف . ذلك أن كاتب القصة إذ يبدع نصا فإنه ينشئ ذاتا أو ذواتا ، كونا وعلاقات . وتكون الشخصيات أو ( ينبغي أن تكون ) متمتعة بتاريخ (اجتماعي ، ثقافي ، نفسي ) خاص وللكاتب دائما شبهة الاقتراب من هذه الشخصية أو تلك ، بهذه الدرجة أو بتلك ، وهي شبهة تلافيها غير ممكن لكن الكاتب لا يستطيع أن يكون هذه الشخصية أو تلك . بل قد تكون شبهة الاقتراب أو بعضها موزعة بين أكثر من شخصية في العمل الواحد ، حسبما سبق  أن أشار - دون دقة كافية - عبد الرحمن مجيد الربيعي . غير أن الكاتب الجيد هو من لا يجعل الشخصيات جزءا منه ، بل من تجعله الشخصيات جزءا منها . أي ذلك الذي لا يتهافت على حركة الشخصيات ومصائرها . إنما من يصغي للعلاقات الداخلية للكون الذي أنشأه ويستجيب لمقترحات الشخصيات وهي تتحرك وتختار مصائرها . فأنا لا اعتقد مثلا ، أن ماركيز هو الذي أمات جنراله  إنما الجنرال هو الذي التمس أن يستريح بدليل أن ماركيز ما أن رحل الجنرال  حتى عانق مرسيدس ، وبكيا .

 

التالى السابق