ما أن قدمت إلى القاهرة ، حاملا حزمة من الخواطر النضيرة ، وبعضا من أعباء الوردة ، وبصيصا من الشجن ، حتى فوجئت بمدينة بعيدة عن عطر الهمس ونداوة الصمت حتى أنني تساءلت عما إذا كانت حروبها التاريخية هي التي جعلتها تحتفي بالبوق فيما تعادي الناي والساكسفون فما من مدنية دون لغو لكن القاهرة بلا أسرار ، ما من مدينة من غير قسوة بيد أن القاهرة تترك أطفالها يلعبون كرة القدم على الإسفلت ، ما من مدينة لا تنجذب للجيوب غير أن القاهرة شرهة .

أما الحضور السوداني فيها فهو لا يعدو كونه تهلهلا سياسيا تهرؤا اجتماعيا ، بؤسا ثقافيا وخرابا روحيا حتى أنني طفقت أتأمل الشقاء والتعاسة وربما الخلل في اعتبار أن العامل الجغرافي هو الأكثر حسما في تكريس أرض ما مجالا للجوء البديهي .

حينما توجهت إلى اسمرا المحررة للتو كنت أصبو إلى مدينة نقية يانعة ، ومتسعا للمساهمة في عمل سياسي سوداني معارض مؤملا خلوه من كساح خيال وفعل المعارضة السودانية القاهرية . غير أن العلاقة الشرطية بين العرجا ومراحها لم تجعل ذلك ممكنا . لكن أسمرا كانت مدينة مشوشة ، انطوائية حذرة . وذلك راجع إلى الحصار التاريخي المديد والكثيف الذي كان مضروبا على جسدها وروحها مسيجا عقلها ومخيلتها . فكانت إطلالتها على العلام وخطواتها الاقتصادية الاجتماعية السياسية الإدارية بالغة الهواجس والتلعثم والارتباك كما كانت عروقها الثقافية والإبداعية جافة . ورموزها الثقافية والإبداعية القليلة سواء تلك القادمة من شرايين التلال أو من ظلال المهاجر والملاجئ من المنتمين للثقافة العربية الإسلامية سيما كانت هي الأخرى تعاني دوار ناتج عن محاولات التبيوء في مدينة ذاهلة تفتقر وذلك ليس ذنبها إلى أهم أس للتماسك الوجداني : التاريخ الثقافي .

أما الوجود السياسي السوداني المعارض فيها ، فقد كان جله ، أي ذلك المجبول على الخيال الكسيح والتثاؤب السياسي وعاهات أخرى عديدة ، فإنه لم يفعل شيئا سوى إصابتها بمزيد من البلبلة .

لقد جشمتني تلك المدنية طوال أعوام ثمانية دون أن تتعمد ذلك طبعا ، حروقا في الروح وأوجاعا خارجية وفي هذا السياق يمكنك قراءة قصة "صباح مشوش بنزعة الظهر" على أنها،  بطريقة ما ، محاولة للالتئام الوجداني .كما أن تلك السنوات الثمان لم تمر دون بعض محاولات هي أقرب للتململ الثقافي فقد حاولت في بداياتها إلى جانب الصديقين الشاعر والصحفي منعم رحمة والفنان التشكيلي الأول الطاهر بشرى تأسيس كيان ثقافي سوداني بأسمرا هو جماعة أجنحة الثقافية حيث أصدرنا بيانها التأسيسي باللغتين العربية والانجيلزية ، قدمنا من خلاله للمعرض التشكيلي الأول للطاهر بشرى بالمدرسة الفرنسية بأسمرا ، قبل ذلك بقليل كان الطاهر بشرى قد ساهم بأفكاره الماهرة وأنامله الطليقة ، في اجتراح تظاهرة تشكيلية ضمت بعض أعماله وأعمال باقة من الفنانين الأرتريين على الحائط الخارجي لأشهر كنيسة بأسمرا ، كما شاركنا في تأسيس وفعاليات منتدى ثقافي إرتري، عرف بـ منتدى السبت ، علاوة على مساهمات أخرى متفرقة ذات منحى ثقافي وإبداعي ومهني سواء في الكتابة للصحافة العربية الإرترية ، أحيانا غير الإرترية،  أو العمل الصحفي الفني ، أو المشاركة في فعاليات التجمعات الفنية .

أما بعد مغادرة الصديقين منعم رحمة و الطاهر بشرى اسمرا ،والقدوم الرسمي للتجمع الوطني الديمقراطي ، ساهمت - إلى جانب لفيف من المثقفين والسياسيين والأكاديميين والمهنيين السودانيين -  في تكوين  وفعاليات مشروع أسميناه منتدى السودان الجديد الذي كان يطمح لتأسيس رؤى نقدية رصينة ومتحررة من براثن الساسة اليوميين لعدد من مشكلات الواقع الفكري والسياسي والثقافي السوداني شاركت أيضا بالإضافة إلى نخبة من الحادبين السودانيين في تأسيس وفعاليات الجالية السودانية بإرتريا -  اسمرا .

 

التالى السابق