|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
"أنت
تتذمر من اسمك وتقول إنه يذّكرك بالتراث،
أليس كذلك؟ لكن له على الأقل ميزة يشترك بها
مع اسمي. اليوم، كنت أسير في الشارع، فنادى
شخص ما: أحمد، فإذا بأكثر من عشرة أشخاص
يلتفتون إلى مصدر الصوت! أنا وأنت لن نضطر
للالتفات إلا إلى من ينادينا فعلاً، فمن
النادر أن تجد في المكان نفسه أكثر من شجاع
واحد، أو قتيبة واحد"
"لكن
اسمي سبب لي في بعض الأحيان ارتباكات صغيرة،
كما حدث منذ أشهر قليلة، حين حاولت أن أقيس
مدى معرفة الناس بي بعد نشر روايتي الوحيدة
بسنة. كانت تسكن في قبو هذا البناء امرأة
وحيدة في ذلك الوقت، وكانت تستقبل في بيتها
رجالاً متعددين ومختلفين إلى درجة يصعب حصرها.
تذمر الجيران من الوضع، وخافت الزوجات على
أزواجهن من إغواء جمالها، فاتصلت واحدة منهن
بالشرطة في إحدى الليالي، وطلبت منهم الحضور
لمداهمة هذا المنزل المشبوه. حين جاءت
الشرطة، قال رجالها إنهم لم يجدوا في المنزل
أية شبهة، وأرادوا محاسبة التي اتصلت بتهمة
إزعاج السلطة، فلم تعترف أيٌ من نساء البناء
بأنها المتصلة. كنت أتدخل بكثرة لحل المشكلة،
فسألني الضابط متأففاً بعدما ضاق ذرعاً بي: من
أنت حتى تتدخل بالمسألة إلى هذا الحد؟ قلت له
مبتسماً واثقاً أنني سأحسم الأمر بمجرد ذكر
اسمي: أنا شجاع فارس. فابتسم الرجل، وهز رأسه
عدة مرات، فسألته: عرفتَني؟ أجاب: لا. لكن اسمك
غريب جداً. شجاع وفارس أيضاً. كيف ركبتَه؟!"
"طبعاً
خوف النساء على أزواجهن كان له ما يبرره. ففي
إحدى المرات، كان معظم سكان البناء في سهرة
عند العميد أمجد، حين ثار نقاش طويل حول
الإخلاص الزوجي. اقترحت إحداهن أن تقيس
المسألة على الموجودين، فأتت بأوراق ووزعتها
على الرجال طالبة منهم الإجابة، دون توقيع،
على السؤال التالي: هل خنتَ زوجتك ولو لمرة
واحدة؟ لعب الرجال اللعبة مسرورين، إلى أن
اختفى سرورهم بالكامل حين ثبت أن الجميع بلا
استثناء قد كتبوا: نعم. كان كل منهم يستعد لأن
يقول لزوجته بأنه هو ذلك الوحيد الذي كتب: لا.
كانوا جميعاً يضعون ثقتهم، على الأقل،
بالدكتور فايز، الذي كنا مستعدين أن نقسم أنه
لم يفعلها، لكن الظن خاب، وقد كانت هذه هي
المشكلة الأولى التي تثور في منزل الدكتور
فايز، والمشكلة الألف في بيوت الآخرين، لكن
نائلة تمكنت من الضغط على نفسها، والتسامح مع
زوجها، الذي أقسم لها ثلاثاً أنها كانت مرة
واحدة حدثت تحت تأثير ضغط نفسي هائل، وإغراء
لا يقاوم، وأنها لن تتكرر مهما جرى"
"لو
كنتَ موجوداً يا قتيبة، كنتَ ستكتب: لا، وكان
ذلك سيكون صادقاً حتماً. أنت مضمون من هذه
الناحية. تخون زوجتك؟ هذا مستحيل. المرأة لا
تعنّ على بالك أبداً، فكيف إذا تطلب الأمر منك
مغامرة غير مضمونة العواقب إلى حد خيانة
الزوجة؟!"
"المهم،
دعك منهم، فها أنت تصبح شيئاً فشيئاً، رفيق كل
أوقاتي. مرَّ الآن نحو أسبوعين على خلقي لك،
يوم قلت لك كن فكنت، هذه المهمة النبيلة
الجميلة التي يشترك بها الله والكاتب! هل رفعت
حاجبيك بدهشة، أو حتى باستنكار؟ لا. لا. إنها
دعابة لا أكثر. على فكرة، ما نوع علاقتك
بالدين؟ هذه ناحية أخرى من شخصيتك لم نناقشها
بعد. يبدو لي أن الجواب على هذه النقطة هو أكثر
سهولة من الأسئلة السابقة التي حددنا فيها
الكثير من صفاتك. الواضح، تقريباً، أن شخصية
مثل شخصيتك، لن يكون لها كبير اهتمام بشؤون
الغيب. لا أقصد أنك ترفض الدين، أو تقف منه
موقفاً معادياً، لكنني أقصد أنك لا تعتبر
مناقشة هذه المسألة أمراً مثيراً لاهتمامك،
وإذا وجدت نفسك في قلب مناقشة صاخبة حولها،
فأنت ستتجنب الدخول فيها، وستحاول أن تجيب
إجابات غير محددة فيما لو اضطرّك أحدهم لأن
تقول رأيك في الموضوع"
"ولكن
من الداخل، هل أنت مؤمن؟ هل تؤدي طقوساً دينية
معينة؟ وهل يمكن أن تكون متعصباً فيما لو
واجهتَ موقفاً تُمتحن فيه من هذه الناحية؟"
"اسمع:
واحدة واحدة. هل أنت مؤمن؟ يمكنني القول إن
المسألة تحتمل الوجهين، لكنك، في الحالتين،
لن تعتبر إيمانك أو إلحادك نقطة محورية في
شخصيتك. أنت رجل باحث عن التقدم وعن سيادة
العقل، ولن ترغب بأن تضيّع وقتك في إثبات وجهة
نظرك مهما كان نوعها. أنت قد تكون مؤمناً دون
تعمق كبير، ودون التزامات محددة، مما يجعلك
لا تمانع في أن تخالف بعض الأحكام أحياناً،
كما قد تكون ملحداً، دون أن يعنيك أن تسخر من
إيمان الآخرين أو تحاول إقناعهم بأنهم على
خطأ. أي أنك رجل يحتل الدين عنده مرتبة متأخرة
من اهتمامه، سواء وافق على التسليم به أم لم
يوافق"
"كنت
أقول لك واحدة واحدة، فإذا بي أجيب عن الأسئلة
كلها دفعة واحدة. أنت إذن، لا تؤدي طقوساً
دينية، ولا يمكن للتعصب أن يجد سبيلاً إليك.
هذه مسألة يسهل حسمها"
"يبدو
لي أنه من السهل في الوقت نفسه، أن أستنتج أن
علاقتك بالسياسة شبيهة بعلاقتك بالدين. إنها
في أواخر سلم اهتماماتك. في هذه، أنا لست معك،
لكن هذا شأنك، فأنت في تصوري رجل مخلص لبلدك
بصورة شبه آلية، وبدون الكثير من العواطف،
وهذا يجعل منك مخلصاً للوضع الذي وجدت نفسك
فيه، دون تساؤلات عن مدى استحقاقه لإخلاصك. هل
فهمتني؟ لأوضح لك أكثر: لنقل إن موضوع تخصصك
العلمي هو موضوع عسكري، ولنفرض أنك تواجه
حالة حرب، كالحرب العالمية الثانية مثلاً،
مما يتطلب منك أن تضع جهودك كلها في خدمة بلدك.
أنت إذن، ستضع هذه الجهود في خدمة بلدك، وبكل
إخلاص، سواء كنت تحت قيادة الغرب، أو
الشيوعية، أو حتى النازية. إذا سحبنا هذا على
الوقت الحاضر، نصل إلى نتيجة تقول إنك عربي
مخلص بالصدفة فقط، فقد كان من الممكن جداً أن
تكون إسرائيلياً مخلصاً!"
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية