|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
"حسناً
يا قتيبة. ها قد لاحظتَ كيف يمكن أن ينشأ سوء
الفهم. ماذا لو كان شخص آخر، أقل تسامحاً من
الأستاذ قصي، هو الجالس قبالتي؟ كان الأمر
سيتحول سجالاً بين رجل كبير سبق وأن خاض تجربة
واسعة في مجاله، وبين شاب يتنطح لمجادلته في
"بديهيات" كما وصفها الأستاذ قصي، لا
لشيء، إلا لإثبات حضور في غير مكانه تماماً"
"لحسن
الحظ أنه كان الأستاذ قصي، وليس شخصاً آخر.
هذا رجل يستحق وصف الرجل المثقف بكل جدارة.
لقد عرف كيف يستوعبني"
"أسأل
نفسي، كم من مرة نجد أنفسنا ندخل في حالات من
السجال والمقارعة اللغوية، دون وجود خلاف
حقيقي، بل فقط بوجود سوء الفهم؟ كم هو كبير
عدد المرات التي يمكنك فيها أن تعثر على شخصين
في حالة جدال حاد، أو ربما خصومة، ولكنكَ
متأكد أنك في ساعة الحقيقة ستعثر عليهما في
خندق واحد"
"نعم.
إنني أتحدث عن الفارق الجوهري بين الحوار
واللغو. ما حدث بيني وبين الأستاذ قصي اسمه
حوار، حتى لو لم نكن قد توصلنا إلى نتيجة
واحدة، لأن كلاً منا كان يتعامل مع الآخر
بتسامح، وباحترام، أما ما يحدث في كثير من
الأحيان فإنه لا يزيد عن اللغو، حين يكون
المطلوب بالنسبة لكلا الطرفين هو أمر واحد
فقط لا غير: تركيع الطرف الآخر وإذلاله"
"وماذا
عما يحدث بيني وبينك، أيها الصديق؟ أستطيع أن
أدعي، بالرغم من عدم التكافؤ، وبالرغم من
سيطرتي التامة، منفرداً، على علاقتنا،بأنه
حوار. إنه حوار كبير وراقٍ. حوار أحتاج إليه،
وأتطلبه، فأجهد في خلق أدواته، فأحصل مرة
عليك، ومرة على سواك، وفي جميع الأوقات على
نجوى"
"إنه
حوار بيني وبين نفسي. سؤال أطرحه وأترك لبنات
أفكاري أن تتحاور بشأنه، وسأكون أكثر غنى بعد
الاستماع لجميع الأفكار حول الموضوع، بما
فيها تلك التي سأطويها وأرفضها في نهاية
الأمر. لذلك، أتمنى ألا يكون لديك أي شعور
بالضعف تجاهي يا عزيزي، فالحقيقة، هي أنني
أحتاج إليك أكثر بكثير مما تحتاج إليَّ"
"ولكن
ما رأيك بما جرى من حديث بيني وبين الأستاذ
قصي؟ نعم. لقد لمحتُ ابتسامتك المشجعة حين
سألتُه: (الالتزام بماذا؟، لو سمحت؟) قلتَ لي
لحظتها: "برافو شجاع. لقد وضعتَه في موقف
صعب". أسعدك تماماً أن تجدني أشكّك بمعنى
الالتزام، بل أعجبتك الطريقة شبه الساخرة
للسؤال، أما حين تحدث هو ببعض الحدة عن الأدب
الذاتي والغزلي، فقد نظرتَ إليه بسخرية، ثم
حولتَ أنظارك إليَّ محرضاً، وقلتَ لي: "أفحمه"،
وحين حدثتُه بشيء من الخجل، نظرت إليَّ
لائماً وأنت تقول: "لماذا تتصرف بضعف؟
موقفك قوي جداً. لا تتردد"، ثم لمحتُ في
عينيك نظرة الإعجاب والتقدير حين ضربتُ مثالي
عن نزار وفيروز، لا لأنني امتدحتُهما، فأنت
في الحقيقة لا تقرأ لنزار ولا تستمع لفيروز،
ولكن فقط لأنك فهمتَ أنني أذم "خبطة قدمكم"،
وما ينتمي إلى النمط نفسه من الاعتزاز بالذات
وإثارة الحماس، وقد أغاظك تماماً أن أوضح
أنني أحب "خبطة قدمكم" كثيراً، بل سمعتُ
صوتك بوضوح تقول: "تحبها؟ حقاً؟ لكن أخبرني
بحق الله، متى كانت خبطة قدمكم عالأرض هدارة
فعلاً؟"، ثم وصل استنكارك إلى أقصاه، حين
اتفقنا تماماً على أننا لا يمكن أن نمتدح
أعمالاً تروج للتطبيع، وسمعتك تقول: "ها ها!
أنتم تستثنون بعض الناس والأفكار إذن! يا لها
من ديمقراطية مدهشة!"، وأشحتَ بوجهكَ،
رافضاً متابعة الحوار"
"حسناً.
في حينها كان عليَّ أن أناقش الأستاذ قصي، ولم
يكن لديَّ الوقت لأوليك أي اهتمام، أما الآن
فأنا متفرغ لك تماماً، وأريد أن أرد عليك"
"أنت
لا تقرأ لنزار، ولا تستمع لفيروز، ولا يكاد
الأدب يعني لك شيئاً، بل إنك ربما تتساءل في
قرارة نفسك عن الحكمة الكامنة وراء كتابة
القصص. طبعاً، هذه نقطة ضعف أولى في موقفك،
فحين تختصر الموضوع برمته إلى "كتابة القصص"
فأنت تكشف عن جهل مريع بالأدب، وبالرواية
تحديداً. أنت تسميها "قصة"، وكأنك تتوقع
منها أن تسرد لك أحداثاً مشوقة ذات بداية
ونهاية واضحتين، بينما الرواية هي شيء مختلف
تماماً. إنها شيء من القصة وشيء من الشعر وشيء
من البوح وشيء من الفلسفة. ها قد لاحظتَ إذن!
القصة لا تشكل إلا مكوناً واحداً منها، وهذا
المكوّن هو أداة في يدك قد تستخدمها وقد لا
تفعل، أي أنك بالفعل قد تعثر على رواية عظيمة،
دون أن تعثر داخلها على قصة"
"ورغم
كل شيء، ألمحك تتساءل: "حسناً، دعك من
القصص، لكن ما هو السبب الذي يجعل الأدب برمته
موجوداً؟"
"طبعاً
لن أمتلك أي جواب يقنعك. هذه مسألة لا مكان
فيها للإقناع. إنها مرتبطة بموقفك من الجمال.
فموقفك من الجمال مرتبط تماماً بوجود القانون.
الجمال الذي يعنيك جمال هندسي بحت. إنه يكمن
في المثلث المغلق، وفي الدائرة المغلقة.
هذان، يخضعان لقوانين صارمة تعتبرها أنت آية
في الجمال، وتعتبر اكتشاف الإنسان لهذه
القوانين هو الأرفع بين الجهود الإنسانية
كافة"
"أنا
أيضاً ألمح الجمال في هذه القوانين، وألمح
العظمة في الجهود الإنسانية التي أدت إلى
اكتشافها، لكنني أجنح أيضاً إلى مناطق أخرى،
فأستطيع أن ألمح الجمال في المناطق المفتوحة
التي لا تخضع لأي قانون، في التعرجات
والاستدارات غير المنطقية، وفي بناء اللغة،
وفي إنطاق الذرات بالأصوات والألحان"
"هذا
موقف لا يخضع للمناقشة. لا أحد يستطيع إقناع
الآخر بأن شيئاً ما هو شيء جميل، لكنني أجد أن
موقفك ينطوي على الكثير من الجرأة، لكي لا
أقول الوقاحة، حين يكون هذا هو رأيك في
الجمال، ثم تتنطح للهجوم على عمل بحجم "خبطة
قدمكم"، أو على كل ما يشبهه"
"فما
دمتَ لا تكنّ الكثير من الاحترام لهذا النوع
من النشاط الإنساني، فمن أين تملك الحق في
الحكم على بعضه، فقط لأنه يتعارض مع توجهاتك
العلمية والفكرية، ولماذا؟ يا له من سؤال ذاك
الذي طرحتَه: "متى كانت خبطة قدمكم عالأرض
هدارة فعلاً؟". نعم يا سيدي. لقد تغنينا على
الدوام بانتصارات لم تحصل، وبقدرات لم
نمتلكها، وبوطن لا يُهزم، رغم أن وطناً آخر في
العالم لم يتعرض لما تعرضنا له من هزائم، وكان
هذا، في رأيي، عملاً رائعاً. لا تستغرب، أقول
إن هذا عمل رائع لأنه يدل دلالة واضحة على
أننا لم نفقد إرادة الحياة، وأننا لا زلنا
نتطلب الأقصى"
"أنظر
مثلاً إلى الروايات التي تتحدث عن الحب. هل
يمكنك العثور على أرض الواقع، على حبٍ يتمتع
بالعظمة نفسها التي تتحدث عنها الروايات؟
أجزم بأن هذا أمر نادر، لكن الحديث عن الحب،
في أقصى حالات توهجه وسطوعه، يبقى أمراً
رائعاً. إنه هو بالذات الذي يبقي على الحب
كقيمة عليا لها حالة قصوى من الكمال، ويبقي
بالتالي على عشاق ينشدون هذه الحالة،
ويقتربون منها إلى هذا الحد أو ذاك"
"الأمر
نفسه ينطبق على الحديث عن وطن غير حقيقي، وعن
انتصارات غير واقعية. هذا يشكّل حداً أقصى
نريده ونطلبه ولم نتنازل عنه حتى اللحظة،
بالرغم من كل ما جرى، وأرى أن الحديث بهذه
الطريقة هو أكثر غنى وفائدة بكثير، من تلك "الواقعية"
كما يسمونها، والتي تريد إفقادي ثقتي بنفسي،
وبحقي في الحياة، وباستحقاقي لها"
"واقعية
ذليلة. هذا فقط ما أستطيع أن أصفها به. إنها
منتشرة بكثرة في ذلك النوع من الأدب الذي لا
ينطوي إلا على تقريع للذات وإعجاب بالآخر، بل
إنها متداولة في مفردات شعبية كثيرة ترمي
جميعها إلى إقناعك بأن هذا الواقع هو قدرك
النهائي، لأن هذا هو سقف قدراتك، وعليك ألا
تحلم بأن تكون كأولئك، الخالين من أي خطأ،
والذين اجترحوا معجزة الحضارة التقنية
الحديثة ويعيشون في نعيمها. لا! إنهم جنس آخر
وعليكَ ألا تأمل بأن تبلغ ما بلغوه في يوم من
الأيام"
"ربما
أقنعتك قليلاً، فهذه النتيجة الأخيرة مضادة
تماماً لموقفك الأصلي. ألم أقل إنك تضع جهدك
العلمي في خدمة بلادك؟ هذا يعني أنك تمتلك
الأمل، وإلا لكان عليك أن تبقى هناك. أنت لم
تفعل. لقد عدتَ لأنك مؤمن أن بإمكانِكَ أن تضع
جهودك في خدمة التقدم. الأمر فقط هو أنك لا
تؤمن بأي نوع من الخطاب الحماسي"
"أترى؟
نحن غير مختلفين كثيراً. كنت أتحدث عن سوء
الفهم، فإذا بي أصل معك إلى سوء فهم حقيقي. رغم
ذلك أستطيع أن أسمع سؤالك بوضوح: "ما دمتَ
تقول ذلك، فلماذا بحق الله جادلتَ الأستاذ
قصي من الأساس؟"
"معك
حق! ولكن ألم أعترف بأنه سوء فهم لا مبرر له؟
كان كل ما أريد قوله هو إنني أتطلب الجمال.
أتطلب أدباً وفناً ملتزمين، لكنهما ينطقان عن
التزامهما ممتزجاً بالحنان، بالحب، بالجمال،
لا بصليل السيوف ومفردات الفخر والسؤدد. ربما
بدا لك هذا متناقضاً مع ما كنت أقوله قبل
قليل، ولكن لا. إنني أتطلب الأمرين معاً. ما
أرفضه هو فقط أن تتحول حياتي بكاملها إلى
استعراض للأمجاد والمفاخر. أريد القليل من
هذا، لكنني أطلب بإلحاح الكثير من ذاك: الحب
والحنان والجمال"
"بل
أقول لك بأنني ربما كنتُ أكثر تطرفاً من
الأستاذ قصي، وأكثر تطرفاً مما بدوت وأنا
أناقشه من هذه الناحية. لا! لن أقبل بأن أتورط
بامتداح أي عمل مناقض لمسلماتي الوطنية. أنا
مستعد، وأقولها بوضوح، لإسقاط أي عمل من هذا
النوع. أنظر إليَّ مثلاً. هل ذهبت إلى الأدب
لاستعراض ما أملكه من مفردات اللغة، أو
للإتيان بمعجزات بلاغية لم يأتِ بها أحد
قبلي؟ بالطبع لا، فالمعجزات البلاغية قد ولى
زمانها واستنفدت أغراضها وربما إمكانياتها،
ونحن جميعاً لا نبدو إلا أطفالاً صغاراً أمام
تلك الأهرام من الأعمال الأدبية القديمة التي
اجترحت معجزات لغوية حقيقية. إذن، لقد جئت إلى
الأدب مزوداً بهدف فكري، هو الآخر ليس
جديداً، هو الآخر ليس معجزتي الخاصة، لكنني
أتيت لأضم صوتي إليه، خصوصاً في زمن الشك
وإسقاط جميع البديهيات الذي نعيش فيه، في زمن
فقدان الثقة. شعرت أن أي صوت إضافي هو صوت له
قيمته، أما تلك المعاول التي تريد بإصرار لا
أفهمه، أن تودي بكل آمالي بالحياة، فإنني
مستعد، بإصرار أكبر، أن أحطمها"
"هذه
هي الحكاية يا عزيزي، ولعل كلامي الأخير
يتضمن جواباً على سخريتك من ديمقراطيتنا
المدهشة التي تستثني المروجين للتطبيع. لا.
اطمئن. ديمقراطيتنا المدهشة سمحت لهم بأن
يقولوا ما يشاؤون، وبصوت مرتفع، بالرغم من
أنه لا توجد ديمقراطية في العالم تسمح بنظم
قصائد الغزل للأعداء، وهذه الديمقراطية
المدهشة التي تسخر منها، هي التي تسمح لي بأن
أرفض ما ينتجون، وتسمح لناشر مثل الأستاذ
قصي، أن يرفض بأن يزج باسم الدار التي أنشأها،
في أعمال تناقض الهدف الذي أنشأها من أجله.
إنك تتصرف بسخريتك هذه وكأنك تفهم أن
الديمقراطية يجب أن تدفع بحزب ماركسي، مثلاً،
لأن يصدر بياناً يتغزل فيه بالشركات متعددة
الجنسيات، رغم أن الديمقراطية هي بالضبط، أن
يقارعها"
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية