|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 القسم الثالث: ختام 1 2 PDF VERSION (complete) |
نجوى...
ها
أنا معكِ ثانيةً.
لقد
أخفقت من جديد في كتابة روايتي الثانية.
أخفقتُ، لأن البطل الذي أردته، خرج أكثر
بهاءً وجمالاً بكثير مما أردتُ له أن يكون.
لقد
ظهر ساطعاً إلى حد لا تستطيع لغتي الأدبية أن
تقوله، حاملاً لحلم تعجز كلماتي عن وصفه.
هل
يبدو هذا غروراً؟
بعد
الاعتراف أن قتيبة في الحلم كان يحمل وجهي
نفسه، وبعد إدراك أنه في الحقيقة كان يقول
كلماتي نفسها، ألا يبدو كلامي هذا غروراً؟
إذن
لن أدعي التواضع. إذا كنتُ حقاً سأفعل ما فعله
فيما لو كنتُ مكانه، فإنه غرور حق، لا ادعاء
فيه.
أتذكر
الآن:
يوم
كان عليَّ أن أنتقل إلى الصف الثاني الثانوي،
ذرعت أرض الغرفة جيئة وذهاباً لأكثر من ألف
مرة وأنا أتساءل: علمي أم أدبي؟
كان
منظر رجل العلم يستهويني بقوة: رجل محاط
بالأجهزة والأدوات، يستطيع قراءة رموز
وطلاسم شديدة التعقيد، بل يستطيع أن يكتب
مثلها، وأن يشرحها لسواه.
ثم،
ما أجمله وهو يتحدث: حديث متسلسل متناسق ينطلق
من فرض إلى طلب إلى برهان، وحين يؤتي البرهان،
فقد حُسم الأمر. لا يستطيع أحد أن يجادل في
برهان علمي. الأمر يكون منتهياً بعد إيراد
برهان يتمتع بتسلسل صحيح.
لكن
منظر رجل الأدب كان يستهويني أيضاً: رجل محاط
بالأوراق والأقلام. حياة حافلة ممتلئة بهموم
الوطن والسياسة. قهوة، سجائر، خمر، و...نساء.
نعم.
المسألة كانت مترابطة في ذهني بهذا الشكل. لا
يهم كم هو هذا صحيح، لكنني هكذا كنت أراه. يا
لها من حياة إذن. تعجبني هذه الأشياء كلها،
كما يعجبني أن تجري فتاة جميلة وراءه ليوقع
لها على أحد كتبه، أو أن تتهافت محطات التلفزة
لإجراء لقاء معه.
إذن،
علمي أم أدبي؟
اخترت
الفرع العلمي في نهاية المطاف، ودرست الطب،
وحين عدتُ بعد ذلك بسنوات إلى الكتابة، التي
كانت هوايتي الأولى، اعتبرت أنني اجترحتُ
المعجزة أخيراً، وجمعت المجد من طرفيه: طبيب
ينتج الأدب. وحدث أخيراً الصلح بين رجل العلم
ورجل الأدب فيَّ.
لكن
من أعادني إلى الكتابة هو أنتِ.
نعم
حبيبتي. أنا لم أعد إلى الكتابة إلا بفضلكِ.
وسريعاً،
عاد رجل الأدب للتقدم داخل نفسي، مبعداً أكثر
فأكثر رجل العلم عن المواقع التي كان قد
احتلها من قبل.
حين
عدتُ إلى الكتابة بفضل عينيكِ، توصلتُ إلى
استنتاج هام: الأدب رفيق دائم للجمال، حتى لو
كان جمالاً مرفقاً بالفوضى، أما العلم فإنه
يلازم النظام، حتى لو كان نظاماً مليئاً
بالقبح.
والجمال
هو هاجسي، هو قضيتي.
تحول
الذهاب إلى العيادة لممارسة مهنتي، حيث
العلم، أمراً أشبه بالعقوبة التي عليَّ أن
أؤديها كل يوم، وتحول الجلوس إلى الطاولة
لابتداع الأحلام، حيث الأدب، إلى مكافأتي.
وحين
قررت الكتابة عن قتيبة، كنتُ – ولم أستطع أن
أدرك ذلك إلا الآن – مدفوعاً بدافع ذاتي قوي:
إنجاز الانتصار إلى نهايته. تحطيم رجل العلم
لمصلحة رجل الأدب. تحطيم رجل النظام، الذي لا
بأس به حتى لو كان بشعاً، لمصلحة رجل الجمال،
الذي يتسع لشيء من الفوضى.
وأمسكتُ
بزمام المهمة بنجاح، ولكن دون شجاعة. فأنا
أتصرف منفرداً، دون خصم حقيقي يستطيع
مواجهتي، والرد عليَّ.
جردته
من كل جمال. أطبقتُ عليه من جميع الجهات
حارماً إياه من أية قضية، من أي حلم. كنتُ أدعي
النزاهة، وأقول له إنه حر بطباعه، أو إن بعض
خصاله تثير إعجابي.
لا.
لم يزد ذلك عن مراوغة في المعركة الدائرة.
كنتُ، في حقيقة الأمر، أنظر إليه بازدراء.
لكنه
أبى أن يظل مستسلماً، بلا أي دفاع. خرج عليَّ
من أعمق أعماق ذاتي ليمد لي لسانه قائلاً:
خسئت. لن أتركك تشهّر بي. وأين؟ في رواية. أنت
تريد أن تجعل من تحطيمك لي، من هزيمتي، أمراً
علنياً مدوياً إذن. لن أسمح لك بفعل ذلك مهما
كلف الأمر.
خرج
حاملاً وجهي، وطباعي.
وأكثر:
فقد خرج أبهى مني، ممتلئاً بالحياة أكثر مني.
بل
وأكثر:
فقد
خرج حاملاً لحلمي نفسه.
أراد
أن يقول لي: أنت تبتدع معارك وهمية. هاك إذن:
العلم والأدب والفن والحب والجمال في مكان
واحد، والحلم أيضاً.
بل
وأكثر:
فهذا
ليس بعد حلماً يُغنى. إنه حلم له طريق، وهذا
الطريق ممكن، وليس مستحيلاً. إنه طريق يُسلك.
بأقدامنا المتعبة نفسها يمكن أن يُسلك. لا يهم
إن كانت متعبة. ما يهم فقط ألا تكون يائسة. ألا
تكون فاقدة للإيمان بالجدوى.
وها
هو قد انتصر الآن.
لا.
ليس انتصاراً بالضبط.
لقد
أعاد التوازن فقط. لقد استرجع بعضاً من مواقعه.
وقد
مكنّه ذلك أن يستخدم يديَّ، يديَّ أنا،
لتمزيق كل الأوراق التي كانت قد كُتبت عن
شخصه، لتمزيق كل هذا الهراء.
ولم
يبقَ من كل ذلك، إلا الحلم،...وأنتِ.
لطالما
اختلطت الأمور عليَّ بهذا الشكل:
منذ
ذلك الزمن الذي أعلنتُكِ فيه أميرة لحلمي
الخاص...
الذي
نصَّبتُكِ فيه حاكمة مقررة يعود لها وحدها أن
تعلن أين يكمن الجمال...
والأمور
تختلط عليَّ.
أمسك
القلم لأكتب عن حلم أناس متعبين، افتقدوا منذ
زمن طويل ضوء الشمس، فأجدني أكتبكِ...
أعتزم
أن أكتبكِ، فأكتب حلم أناس غابت عنهم لزمن
طويل رائحة الزهر...
أعود
لأكتب افتقادهم للنغمات، فأكتبكِ...
وأدخل
في دوامة تجعلني أمزق في النهاية كل محاولة
جديدة.
حسناً،
ولكن إلى متى؟
إلى
متى سأعجز عن إدراك أنكِ وضوء الشمس واحد،
أنكِ ورائحة الزهر واحد، أنكِ والنغمات واحد...
متى
سأنجح أخيراً في إزالة هذا التناقض الآخر:
التناقض بينكِ حلماً لي أنا، وبين ضوء الشمس،
حلماً لي أنا، ولكِ أنتِ، وللكثيرين ممن
يشاطروننا هذه الأرض، التي شاءت لها الأقدار
أن تكون في هذه الأيام معذبة حزينة.
متى
سأفهم أنني في كل ذلك، وفيٌّ للأحلام.
الأحلام...
ستبقى
هذه الكلمة رمزاً لما أعانيه، ولما أتنفسه من
جمال.
أكتب
عنها في أفولها، فأجدني أتحدث عن خريف اصفرّت
أوراق أشجاره، وآلتْ إلى السقوط...
أكتب
عنها في بهائها، فأستيقظ من نوم عميق لأجد أن
ربيعها لم يكن سوى مجرد وهم...
لكن
الحلم يظل حلمي...
وسيظل
جميلاً بهياً طالما هو واقع في منطقة غامضة
ملتبسة، بين الحقيقة والوهم.
لن
أكذب على نفسي وأسميه "الحقيقة"...
ولن
ينجح أحد في تجريدي منه، وإقناعي بأنه "الوهم"...
وأنتِ...
أين
أنتِ من هذا كله؟
أنتِ،
تشبهينه تماماً...
تتحركين
في تلك المنطقة الملتبسة نفسها، ما بين
الحقيقة والوهم.
لن
أكذب على نفسي وأسميكِ "الحقيقة"...
ولن
ينجح أحد، ولن تنجحي، في إقناعي بأنكِ "الوهم"...
وسأظل
أسأل نفسي: متى سأنجح أخيراً في إزالة هذا
التناقض، في إزالة ذاك التداخل؟
وسأظل
أسأل نفسي:
متى
سأتمكن أخيراً من أن أكتبكِ؟
تمت
في 8/11/1999
مؤقتاً،
إلى أن ... يكتبكِ
أعلى الصفحة انتهى الصفحة الرئيسية