|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
حين
رن جرس الهاتف، استأذن شجاع ضيفيه قائلاً:
-
عن إذنكما.
ونهض
ليرد على التلفون. كان الصوت جديداً تماماً
عليه، وقد عرّفه بنفسه قائلاً:
-
أنا أكلّمك نيابة عن
دار السعادة للنشر.
-
أهلاً وسهلاً.
-
أستاذ شجاع، لقد قمنا
بالإعلان عن مسابقة للرواية للأدباء الشبان،
ونرغب في أن تكون عضواً في لجنة التحكيم. ما
رأيك؟
رد
شجاع بدهشة:
-
أنا؟
-
نعم. وفيمَ الغرابة؟
-
أنا يا أستاذ بالكاد
بدأت حياتي الأدبية، أي أنني واحد من أولئك
الأدباء الشبان الذين عليهم أن يتقدموا
للمسابقات، لا أن يحكّموا فيها.
أنا لم أصدر سوى رواية واحدة حتى الآن.
-
نحن نعلم ذلك بطبيعة
الحال أستاذ شجاع، لكن روايتك الأولى تشكّل
بداية ممتازة، ونحن نريد لجنة تحكيم من أجيال
متعددة.
فكر
شجاع قليلاً، ثم قال:
-
حسناً. لا أعتقد أن
ثمة مانعاً. المهم أن تصلني النصوص في وقت
مناسب لي، وأن أُمنح الوقت الكافي لقراءتها.
-
جيد جداً. يمكننا أن
نبحث هذه التفاصيل إذا تكرّمت بزيارتنا.
اتفقا
على الزيارة في اليوم التالي، وعاد شجاع إلى
ضيفيه المفاجئين: الدكتورة سوسن، شقيقته
الوحيدة التي تكبره بسنة، والدكتور أنور،
زوجها، وبادرهما قائلاً:
-
هه؟ إلى أين وصلتما؟
قالت
سوسن بانفعال مضبوط:
-
لم نصل إلى أي مكان.
يبدو أن إقناع الدكتور أصعب من نحت الصخر.
قال
أنور بهدوء:
-
دكتورة سوسن، أنت
تعرفين أنني لست كذلك، لكن ما تطلبينه صعب
جداً.
"دكتور؟!
دكتورة؟! فليكن الله في عونكما على هذه الحياة
المملة"
لطالما
فكر شجاع بذلك وهو يراقب بيت الزوجية الذي يضم
هذين الأستاذين الجامعيين في قسم الفلسفة في
جامعة دمشق، واللذين يعيشان حياة تكاد تكون
أكاديمية إلى حد يشعر تجاهه بالشفقة. كانت
شقيقته قريبة وصديقة له على الدوام، لكنه لم
ينسجم يوماً مع أسلوب تفكيرها، فسوسن لا
تشغلها قضية سوى حرية المرأة واستقلالها
التامين، وإذا كانت لا تفعل شيئاً في الواقع
من أجل هذه القضية، فهي لم تنضم أبداً إلى أي
من تلك المنظمات التي تعنى بهذه القضية، إلا
أنها تمارس إيمانها بهذا المبدأ من خلال
حياتها وتصرفاتها، ولا يعلم إلا الله من الذي
أدخل في دماغها أن هذه الممارسة تتطلب تقليد
الرجل إلى أبعد حد ممكن، وهكذا أصبح من النادر
أن تُشاهد وقد زينت وجهها أو ارتدت أقراطاً أو
حتى فساتين، كما أنه من المستحيل أن يدعي كائن
ما أنه رأى يوماً دموعاً في عينيها، باستثناء
يوم وفاة أبيها قبل نحو أربع سنوات، فهذا رجل
لم يكن بإمكانها إلا أن تبكيه، رجل كان مؤمناً
بالحرية ولم يخشَ من تطبيق إيمانه هذا في بيته
نفسه في الوقت الذي يحجم الكثيرون فيه عن فعل
ذلك عندما تتعلق الأمور بأقرب المقربين
إليهم، وقد طبّق ذلك دوماً وبكل إخلاص، فلم
يمانع حين قررت سوسن دراسة الفلسفة، رغم أنها
أحرزت في الثانوية العامة درجات تؤهلها
لدراسة ما يمكن أن يراه أب أهم وأفضل بكثير
لمستقبل ابنته، ولم يمانع في سفرها لمتابعة
الدراسة حين حصلت على منحة بعد تخرجها، وأجاب
بشكل إيجابي دوماً على رسائلها التي كانت ترد
من فرنسا والتي بدأت تتحدث عن زميل لها يدرس
اختصاصها نفسه قد بدأ يجذب اهتمامها، وحين
بدأت الرسائل تتحدث بحميمية أكثر، لم يبدِ أي
اعتراض، وهكذا عادت سوسن برفقة أنور وقد حصل
كلاهما على شهادة الدكتوراه في الفلسفة،
وتزوجا على الفور دون أية عراقيل أو عقبات من
أي نوع.
والمرء
لا بد أن يشعر بالشفقة على الدكتور أنور، ففي
الوقت الذي رزق الله فيه معظم الرجال زوجات
يشعرن بالاعتزاز بالانتماء إلى جنس النساء،
أو أنهن يقبلن الأمر على مضض على أية حال، فقد
رزقه هو دون غيره بزوجة لا تريد أن تشبه أيةً
من بنات جنسها بشيء، إلا أن المرء نفسه سيحتفظ
بشعوره المشفق هذا لنفسه حين يراقب أنور،
ويرى كم يحب زوجته ويعتز بها، فهو الآخر ليس
بعيداً عن القيم التي تدفع زوجته لهذا
السلوك، ولا يبدي أي انزعاج من مظهرهما
الخارجي الذي يعطي انطباعاً عن كائنين
متساويين في القيمة تماماً، إن لم تفقه
أحياناً، الأمر الذي لا يطيقه الرجل الشرقي
في المعتاد.
وهكذا
سارت حياتهما نحو شكلها الحالي: تقسيم دقيق
وعادل زيادة عن اللزوم للأعمال المنزلية،
تقسيم واضح للأمور المالية يجعل هناك مقتنيات
خاصة بها وأخرى خاصة به، امتناع عن إنجاب
الأطفال حتى تتفرغ سوسن لتحقيق مكانتها
الجامعية، وبذلك لم يحصلا على طفلهما الأول
إلا في السنة الماضية، حين بلغت سوسن السادسة
والثلاثين من عمرها، وتحت شروط حاسمة بأنه
الطفل الأول والأخير، وأخيراً، طريقة تخاطب
يومي أكاديمية تماماً لا تكاد الألقاب
العلمية تسقط منها إلا سهواً.
كان
شجاع يحب شقيقته بطبيعة الحال، لكن هذا لم
يمنعه من أن يقول إنها شقيقة ممتازة ولكنها
زوجة لا تطاق، لكنه كان متأكداً من عدالة
الموقف ما دامت زوجة لا تطاق لزوج لا يطاق. كان
يماحكها وزوجها كثيراً، كأن يزورهما مثلاً
وهو يرتدي ثياباً رسمية كاملة لا يطيق
ارتداءها في الأحوال العادية، ويعلّق على
صدره بطاقته، ويبادر إلى التعريف عن نفسه
وصفته المهنية عندما يُفتح له الباب تأكيداً
على جدية الموقف وحرمة المكان العلمي الذي
يدخله، أو بأن يعد الأطباق التي حملها كل
منهما إلى طاولة الطعام لضمان المساواة
التامة، وغير ذلك مما كان بالكاد يثير
ابتسامة صغيرة مع قدر كبير من التحفظ عند كلٍّ
منهما.
لكنه
احتفظ لنفسه بخاطر ساخر واحد لم يجرؤ على قوله
علناً وإلا لأحدث ارتجاجاً في منظومة القيم
الفكرية والفلسفية التي تسود حياتهما. كان
يفكر ساخراً:
"هذان
المخلوقان، كيف يمارسان الجنس؟ هل يداعبها؟
هل تتأوه؟ أتراه يقول لها يا حبيبتي
الدكتورة، فترد عليه يا روحي يا دكتور؟!"
المهم،
سارت الأمور بهذه الطريقة دون أن يسمع إنسان
ما في يوم من الأيام بخلاف وقع بين الدكتورين،
وعلامَ يختلفان ما داما على هذه الدرجة من
الانسجام؟ لا شك أن أكبر خلاف يمكن أن يدور
بينهما هو حول تقدير كل منهما لأهمية وتأثير
نيتشة في الفكر المعاصر! وهذه قضية كانا
يختلفان عليها فعلاً، لكن درجة السلام التي
تسود بيتهما نادرة المثال في مجتمع دمشق
الراهن.
وهكذا،
حين جاءا إليه اليوم متجهمين، وأرادا أخذ
رأيه في خلاف وقع بينهما، هتف في سره:
وسر
الخلاف كان يتعلق بظهور أول مؤشر من مؤشرات
العواطف الإنسانية الطبيعية عند أحدهما،
ومن؟ أنور، نعم أنور وليست سوسن التي ارتكبت
هذه الخطيئة الكبرى.
فلأول
مرة هذه السنة، كانت العروض الدائمة التي
تعلنها جامعات الخليج حول حاجتها لمدرسين
جامعيين، تنطبق عليهما من حيث عدد سنوات
الخبرة التعليمية المطلوبة، وسوسن، التي ملت
إلى أبعد حدود الملل من الشقة المتواضعة التي
يقيمان فيها، ومن الدخل الذي يكفيهما بصعوبة،
قررت أن الفرج قد جاء أخيراً.
وهنا
ظهرت صفة لم تكن معروفة على الإطلاق عند أنور.
فقد أعلن على غير توقع أنه متعلق بدمشق ولا
يستطيع مغادرتها، وإذا كان قد فعلها مرة من
أجل العلم، فهو لن يفعلها أبداً من أجل المال.
أعلن ذلك دون خجل ودون وازع من ضمير!
طبعاً
قصة الخجل والضمير هذه هي رأي سوسن في
الموضوع، وإن لم تعلنه بهذه الحدة انسجاماً
مع تقاليد الحوار الفلسفي، لكنها ردت باتهامه
بأن الأمر ليس كذلك، بل إنه في الحقيقة لا
يريد أن يبتعد عن والدته التي شاخت كثيراً في
الآونة الأخيرة ويخشى أن يصيبها مكروه في
غيابه.
حصل
ذلك بينهما في منزلهما، وعلا صوتهما فيه
للمرة الأولى في عمر هذا الزواج، وكانت فرصة
لتكتشف سوسن فجأة أن زوجها رجل تقليدي يمكن أن
يتأثر بالعواطف، وليكتشف أنور أن سوسن زوجة
تقليدية لا بد أن تحيل سبب كل مشكلة إلى
حماتها.
أما
حين أصبحا عند شجاع، فقد ضبطا كلامهما أكثر،
ليصبح نقاشاً حول أوضاع الطبقة الوسطى التي
يُسحب البساط من تحتها شيئاً فشيئاً لتهوي
إلى الأسفل، وحول بعض الأذكياء الذين لا بد أن
ينجوا من هذا المخطط ويطيروا بدلاً من ذلك إلى
الأعلى، ليأتي رد أنور بأن الكفاح في مواجهة
ذلك لا بد أن يتم هنا، على أرضنا التي نعرف كيف
نتحرك عليها، ومن خلال الدور التثقيفي الهام
الذي يقومان به من موقعهما الجامعي.
كانت
القضية معقدة بالفعل، وكانا يريدان رأيه، وقد
دهشت سوسن أيما دهشة حين وجدت أن شجاع قد اتخذ
صف صهره ووافق على موقفه، لكنها لم تعدم
الوسيلة، فاتهمت أخاها بأنه حكم غير صالح لحل
مشكلة كهذه لأنه رجل مسكون بالعواطف، وأنه
بالتالي لا بد أن يقدّر الجانب العاطفي من
المسألة ويتغاضى عن الجانب الموضوعي.
لكن
المشكلة تعقدت أكثر حين صاحت سوسن فجأة
وكأنها وجدت الحل:
-
حسناً. أسافر وحدي.
عندها،
فغر أنور فاه وهو ينظر إليها لثوانٍ، ثم غرق
في الضحك. كانت تلك أعلى ضحكة يسمعها منه شجاع
منذ تعرفه إليه، ففكر:
"مشكلة!
تحولات عاطفية وضحك في يوم واحد. لا شك أن
الدكتور تغير كثيراً"
أما
سوسن فقد نظرت إلى زوجها نظرة قاسية وهي تقول:
-
هل قلت ما يُضحك؟
توقف
أنور عن الضحك وقال:
-
طبعاً. كيف تسافرين
وحدك؟ وأنا؟ وابننا؟ كيف؟
-
ابني أمر أتدبره
بنفسي عندما يحين موعد السفر، أما أنت فماذا
تريد؟ أن تقف في وجه طموحي وتطلعاتي ثم تسألني
بكل بساطة: وأنا؟
تجهم
أنور تماماً، وصمت للحظات طويلة قبل أن يرد:
-
أنا لا أقف في وجه
طموحاتك، لكننا الآن زوجان ولدينا طفل عمره
سنة، إما أن نتحرك معاً أو أن نبقى في مكاننا
معاً.
وهكذا
بدا أن "تقريب وجهات النظر" بين الطرفين
هو المستحيل بعينه، فكان لا بد أن يقترح شجاع
حلاً مناسباً تماماً للعقلية الأكاديمية
التي يتصرفان على أساسها، وهو أن يفكر كل
منهما بالموضوع جيداً، مع الأخذ بعين
الاعتبار "الدوافع الذاتية والموضوعية
للطرف الآخر"، ثم يتناقشان بالأمر بروية
علهما يصلان إلى حل يوافقان عليه معاً.
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية