أطياف الشمس

القسم الأول: كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-4-

عند هذه النقطة، تحوّل ما افترضتُه نهاية للقاء، إلى بداية جديدة له. كانت دمعتان صغيرتان قد تلألأتا داخل عيني قتيبة أثناء استماعه إلى هذه الأغنية. إنه يعرف الدمع إذن، بل أكثر: فلو كنتُ مكانه، لتعمدت أن أبعد وجهي حرصاً على ألا يلمح أحد دموعي، أما هو فلم يفعل. ليس فقط أنه يعرف الدمع إذن، بل إنه أيضاً لا يخجل به.

قلت متسائلاً:

-         من الواضح أن لك ذكريات حزينة مع هذه الأغنية.

ظل صامتاً لعدة ثوانٍ، ثم عاد إلى جلسته العادية وأخذ يصب كأساً جديدة. ارتشف رشفة منه، وتنهد، ثم ردد:

-                     يا طير

صمتُّ احتراماً لذكرياته، لكنه بعد ثوانٍ سألني:

-         شجاع. أنت روائي. أجبني، إن كنتَ تملك جواباً على هذا السؤال: ما الذي يجعل رجلاً يحب امرأة ما، امرأة بعينها، وبعد أن ترحل عنه، يرفض أن ينساها. يفعل ذلك بإصرار وعناد. إنه يتقابل مع من تفوقها جمالاً كل يوم، لكنه لا يريد سواها، بل سوى ذكراها، لأنه يعلم تماماً أنها، هي بذاتها، لن تكون له مهما طال الزمن؟

"عمن يتحدث إذن؟ عن نفسه؟ عني؟ الحب إلى هذا الحد؟ هذا ليس مجرد سقوط للمسلمات. إنه انهيار كامل لها". ساد الصمت من جديد إلى أن قطعه قائلاً:

-         لم تجبني.

باغتني كلامه. لم أفترض أنه يسأل فعلاً. قلتُ بارتباك:

-         لا أعتقد أن هناك أجوبة عن الحب. لا جواب، وربما كان هذا أفضل. الحب يستمد سحره الخاص من كونه غير مفهوم، وغير منطقي على الإطلاق.

هز رأسه مؤيداً وقال:

-         نعم. ربما كان هذا صحيحاً.

ارتشف رشفة أخرى، ونظر إليَّ مطولاً، ثم قال:

-                     وأنت؟

نظرت إليه مستفسراً وقلت:

-                     وأنا ماذا؟

-         ماذا عن الحب في حياتِك؟

تنهدتُ بحزن، وقلتُ:

-         كنتَ تتحدث عنه قبل قليل.

-                     من؟

-                     أنت.

-                     كيف؟

-         حين كنتَ تتحدث عن نفسك. أنا أيضاً أشاطر الذكرى حياتي. أنا أيضاً أحببتُ امرأة وفقدتها، لكنني لم أفقد طيفها، أيقونتها. لا زلت أعيش معها، وسأواصل فعل ذلك إلى آخر يوم من حياتي.

كانت ابتسامة عذبة قد ارتسمت على وجهه. قال بصوت هادئ:

-         يا إلهي يا شجاع. كم نحن متشابهان؟ لماذا لم تظهر منذ زمن طويل؟ كنت أحتاج إلى صديق مثلك.

ابتسمتُ، وأجبته:

-         خربطة في التوقيت.

قال بدهشة:

-                     ماذا؟

كررت:

-         خربطة في التوقيت، معك أنت أيضاً.

-         ماذا تعني؟

-         إذا كان هناك اسم يجب أن يطلق على قصة الحب التي عشتُها، فإن أكثر الأسماء دقة هو هذا: خربطة في التوقيت.

هز رأسه، وساد الصمت من جديد. أخيراً نهض وقال:

-         ما رأيك بأن نتمشى قليلاً؟

أجبته:

-         اقتراح عظيم.

اتجه نحو غرفة النوم، وفتح بابها. لمحتُ بعض الفوضى، الأمر الذي يبعده أكثر فأكثر عن بطلي. كان هناك سرير عريض تتناثر عليه أغراض متعددة. لم أعد أرى قتيبة في تلك اللحظات، لكنه فجأة ظهر وهو يتجه إلى مؤخرة السرير. كان هناك إطار لصورة غير مرئية بالنسبة لي. طبع قبلة على الصورة، ثم أعادها إلى مكانها بعناية، واتجه نحوي. قال:

-                     هيا بنا.

نهضتُ وقلتُ:

-         هل أستطيع أن أراها؟

سألني:

-                     من؟

-         المرأة التي استحقت أن يتذكرها قتيبة إلى الأبد.

أطرق للحظات مفكراً، ثم نظر إليَّ مبتسماً، وقال:

-                     حسناً.

عاد إلى غرفة النوم وجاء بالصورة.

تسارع في دقات القلب، جحوظ للعينين، رجفة لليد: هذه علامات متعددة للمفاجأة الصاعقة. هل كان هذا ملحوظاً بالنسبة له؟ على الأرجح لا، لأنه ظل ينظر إليَّ مبتسماً، وحين أعدتُ له الصورة، سألني ببساطة:

-                     ما رأيك؟

لكنني لا أتذكر بماذا أجبته.


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية