|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
أستطيع أن
أتذكر: أعمدة منتصبة عالية، شيء ضخم يشبه
مرجلاً يتصاعد منه الدخان، ثم، داخل مبنى ما،
أجهزة ضخمة وأخرى أصغر حجماً، وشاشات متعددة،
وأوانٍ ومواد مختلفة. برفقة هذا كله، كان
قتيبة يتمتم بكلمات غير مفهومة. كلمات ضخمة
ومعقدة وجديدة عليَّ. كنت أتساءل إن كان
يستعمل العربية الآن، أم أنه انتقل للحديث
بلغة أخرى لسبب ما غامض، كغموض كل شيء في هذه
الليلة الغريبة.
في
طريق العودة، وكان قد أعاد إحكام العصابة
السوداء حول عينيَّ، سألني:
-
ما رأيك؟
-
بماذا؟
-
بما رأيت.
-
لم أفهم شيئاً.
كان
واضحاً أن قتيبة قد ابتسم. قال:
-
هذا أمر طبيعي، لكنني
شرحت لك بعض الأمور.
"لكنني
لم أفهم عمَّ كنتَ تتحدث"
لا.
لم أقلها. شعرتُ بالحرج من نطق جملة كهذه قد
تظهرني كأبله لا يعي ما يدور حوله.
ساد
الصمت للحظات، ثم قال:
-
هذا المكان يا شجاع هو
الذي سيجعل "خبطة قدمكم عالأرض هدارة"
فعلاً.
ابتسمتُ
وقلت:
-
الأمر لم يعد يتعلق بـ
"خبطة قدمكم". لقد صار مرتبطاً بـ "كبسة
زركم".
ضحك
قتيبة وقال:
-
وهل ما يهمك هو أن
تسمع صليل السيوف وقرقعة السلاح؟ لكل زمان
معاركه.
ساد
الصمت للحظات، ثم سألته:
-
ولكن ما حظوظ النجاح؟
-
كبيرة جداً يا شجاع.
لقد قطعنا أكثر من نصف الطريق.
ساد
الصمت من جديد، إلى أن قطعه قائلاً:
-
ماذا؟ ألن تتمنى
النجاح لهذا المشروع؟
فكرتُ
للحظات قليلة جداً، ثم أجبته:
-
بلى. بكل تأكيد.
توقفت
السيارة أخيراً، ومد قتيبة يده وأخذ يحلّ
العصابة السوداء. كان الصباح قد أشرق على
دمشق، وكنا قرب بيت قتيبة. سألته:
-
ما هذا؟ ألن توصلني
إلى بيتي؟
-
ليس قبل أن تتذوق
الإفطار الذي يمكن لقتيبة أن يعده.
في
البيت، اختفى عالم الفيزياء النووية، صاحب
تحليلات القوة، تماماً، وعاد المضيف الذي
يعتني جيداً بضيفه، والعاشق الجميل – وإن كان
عاشقاً لحبيبتي نفسها – وصاحب روح الدعابة
والمرح.
تناولنا
طعام الإفطار بصمت، وقد كان إفطاراً شهياً
فعلاً، وتهادى صوت فيروز ثانية وهو يقول:
أنا
لحبيبي وحبيبي إلي...
معبراً
بوضوح عن وهم كلينا بأن يكون "حبيبي إلي"
ولم
أملك إلا أن أتأمله ملياً، وأتساءل ثانية: "من
أنت؟"، ثم عاد ذلك السؤال: "أين التقينا
من قبل؟"، لكن السؤالين ظلا بلا جواب إلى أن
وجدتُ نفسي أُطرد من منزله بطريقة مرحة.
-
هيا يا أستاذ. ألن تحل
عني؟ أريد أن أنام بضع ساعات قبل أن يحل موعد
السفر.
تساءلت:
-
السفر؟
-
نعم. الليلة.
-
إلى أين؟
-
لن أخبرك.
ابتسمتُ
وقلت:
-
إذن أنت لن تصطحبني
معك؟
ضحك
وقال:
-
فقط في حالة واحدة،
إذا وافقتَ على وضع العصابة السوداء حول
عينيك.
ضحكت
وسألته:
-
كم ستغيب؟
-
لشهر على الأقل.
وتودعنا
كصديقين قديمين.
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية