|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
"قتيبة!
يا قتيبة! تركتك طويلاً. آسف جداً. لكننا كنا
نناقش موضوع تركيب باب حديدي للبناء. أترى كم
عليَّ أن أتركك من أجل أمور تافهة؟ هذه المرة
يعتبر الأمر هاماً جداً على كل حال، إذا
قارنتَه بذلك اليوم الذي كنت فيه منهمكاً
بروحي كلها في كتابة لحظة عاطفية مؤثرة،
فاستُدرجت لأدلي بدلوي في مشاجرة كبرى بين أم
علي والرجل الذي يغسل سلالم البناء. كان على
ما يبدو قد بللها بالقليل من الماء، فانفجرت
في وجهه، معلنة رفضها أن تدفع له بعد الآن"
"أترى
يا قتيبة كم نحن، أهل الواقع، أناس قساة؟ هذا
الرجل المسكين كانت أم علي تدفع له عشر ليرات
أسبوعياً. لم توافق أبداً على الزيادة التي
كنا قد قررناها له ليتقاضى من كل منزل خمس
عشرة ليرة، وبقيت على الأجرة القديمة، لكنها
سيدة عجوز وتستطيع أن تبحث لها عن مبررات في
كبر سنها، أما حسان، فماذا تقول في اقتراحه
العبقري في ذلك الوقت؟ أتعرف ماذا اقترح؟ قال
إن علينا أن ندفع الفارق الذي قصّرت عن دفعه
أم علي، بشرط أننتقاسمه"
ضحك
شجاع وحيداً وهو يتذكر تلك الحادثة، وارتشف
القليل من الفودكا، وأشعل سيجارة.
"أما
أنت فهنيئاً لك حياتك في باطن أوراقي. على
الأقل لم تسمع لهاث هذا الرجل المسكين كما
سمعتُه، حين كنت أصعد السلالم خلفه تماماً في
إحدى المرات بعد أن أنهى عمله. لهاث يمزق
القلب. لكن هل كان قلبك ليتمزق؟ أنت، اسمح لي،
رجل بارد الأحاسيس. ترى ماذا كنت ستقول في أمر
كهذا؟ طبعاً لا أعني هذا الرجل تحديداً، ولكن
ماذا كنت لتقول لو عبَّر أحدهم أمامك عن
استنكاره للفوارق الطبقية القاسية في
المجتمع؟ أو دعك قليلاً الآن من المجتمع، فهل
كانت عيناك ستدمعان، كما دمعت أعين الكثيرين،
حين ظهرت على التلفزيون بالأمس صورة طفل من
السودان؟ هل سمعت بالسودان يا قتيبة؟ بلد خير
وفير. رغم ذلك، كانت عظام الطفل الذي عرضوه
علينا بالأمس، ناتئة من الجوع، ولا أعتقد أنه
لا يزال على قيد الحياة إلى الآن، والمضحك
أنهم عرضوا بعد هذه الصورة المأسوية مباشرة،
أغنية لأطفال يطالبون فيها بالعيش بأمان. لم
تكن هناك عند أحد، بالتأكيد، نوايا ساخرة، لا
من المشرفين على برامج التلفزيون، ولا من
الأطفال الذين يرتدون ملابس جميلة غالية، لكن
الأمر بجملته بدا رغم ذلك مثيراً للسخرية،
فذلك الطفل العاري، لم يبقَ عنده صوت ليطالب
بالعيش نفسه، فما بالك بالأمان؟ هذا اختبار
حقيقي لك. ماذا كنت لتقول في أمر كهذا؟"
"اسمع.
سأفكر عنك. ألستُ خالقك؟ لكن اطمئن. انا
سأحترم خياراتك الخاصة. فهمت ماذا أعني؟ أنا
حددت لك من أنت، لكنك، بالصفات التي حددتها
لك، عليك أن تقرر خياراتك حيال كل أمر على حدة.
بالنسبة لهذا مثلاً، وبما أنني وصفتك منذ
البداية بأنك إنسان مخلص، رغم طباعك العقلية
الباردة التي لا تطاق، فإنك على الأرجح لن
تسخر من مشاعر من هذا النوع. عيناك لن تدمعا
بالتأكيد، وهذا في الحقيقة أمر مؤسف،
فالإنسان يا عزيزي، إن لم يبكِ تجاه ما يستحق
الدموع، فلن يعرف كيف يضحك حيث ينبت الفرح. ثم
إنك بذلك لن تكون عربياً نموذجياً! فالعربي يا
صديقي يكاد لا يستحق صفته هذه من دون آلامه
وأحزانه ودموعه. نسيت أن أقول ذلك لنها حين
كانت تناقشني في الصباح حول حزن الكتّاب. نسيت
أن أخبرها أنه جزء من كل، وليس خاصاً بالكتّاب
وحدهم"
"هل
قسوت عليك؟ لا أعتقد. أساساً هذه الأمور لا
علاقة لها، بالنسبة لي، بتقييم الإنسان. هذه
طباعك وأنت حر فيها. لو نهضتَ الآن من الورق،
وتجسدت أمامي، لما أمكنني أن أتخذك صديقاً،
لكنني مع ذلك، لن أملك إلا أن أُعجب بالكثير
من خصالك، مع قليل من الرثاء لحالك لأنك لا
تعرف الفرح الحقيقي ولا الحزن الحقيقي"
"خرجت
عن الموضوع. كنت أقول إن عينيك لن تدمعا لمرأى
مثل هذا الطفل، أو ما يشبه هذا الوضع، ولكنك
ستتعاطف معه بشكل من الأشكال. تتعاطف؟! لا. لا.
أنت لا علاقة لك بالعواطف. ربما "تتعاقل"
معه! ها قد اخترعت كلمة جديدة من أجلك. تتعاقل
معه. كنت ستعبّر عن ذلك، مثلاً، بتحليل عن
القوة والضعف، أو عن العلم والجهل، لتؤكد ما
تمضي عمرك وأنت تؤكده، أننا بالعلم فقط ننهض،
وبالعلم فقط نمنع وجود مثل هذه الظواهر في
مجتمعنا. حسناً، اسمح لي أن أختلف معك. يجب أن
تدخل في اعتبارك بعض المؤثرات الأخرى، غير
العلم. القلب مثلاً. العاطفة الإنسانية مثلاً.
الأخلاقهل لديك تعريف للأخلاق يا قتيبة؟
بالنسبة لي، أربطها بالعاطفة الإنسانية وليس
بالعقل، فالعقل الذي أنتج كل هذه العلوم، هو
نفسه الذي استثمر هذه العلوم في مسخ الإنسان
وتجويعه والحط من كرامته. تعترض؟ إذن أنت
فهمتَ أنني ضد العلم. لا يا صديقي، وهل يُعقل
أن يقف رجل مثلي ضد التقدم؟ لكنني أريد العلم
موازياً للشعور الإنساني، أو حتى خاضعاً له.
نعم. بدون ذلك، أنت تترك قدرات هائلة في أيدي
أناس لا يقيمون وزناً لأي اعتبار إنساني،
وتحصل بالتالي على هذه الظواهر المحزنة،
مكررة إلى ما لا نهاية. لو امتلكنا نحن ناصية
العلم يا قتيبة، لربما أنقذنا أنفسنا من أن
نرى الجوع في بلادنا، لكننا، إن مارسنا
سيطرتنا هذه بعقل بارد، لكنا تسببنا بالجوع
في ديار الآخرين. القيم يا قتيبة. لا تنسَ
القيم. على الأمة أن تمتلك القيم والمثل لكي
تنشئ حضارة إنسانية رفيعة وعادلة. ولكن مالي
أتدخل بآرائك؟ أنت حر. أنت تقول العلم ثم
العلم ثم العلم. هذه عقيدتك وأنا لن أتدخل
فيها. كنت فقط أحاورك قليلاً"
"إذن
ها قد توصلنا إلى توصيف مبدئي لشخصك الكريم.
أنت شاب في مقتبل العمر، أو ربما بدأتُ رحلتي
معك في الرواية بعد أن تعود بشهادة الدكتوراه
من الخارج، أي أنك في نحو الثلاثين من عمرك.
لقد بدأت لتوك بالعمل في مركز علمي ما، وها
أنت تمارس حياتك وفقاً لقناعاتك الأساسية:
أنت ملتزم ببلدك وتسعى لتطوره، وأنت في الوقت
نفسه رجل علمي لا يقيم وزناً كبيراً للعواطف
أو لمعانٍ مثل الفرح والحزن، وأنت مفتتن
بحضارة الغرب، لكنك مخلص في إرادتك بأن ترى
مثلها في وطنك، وأنت رجل لا يلتفت للماضي، بل
يركز كل اهتمامه على المستقبل. لم أحدد بعد
إذا كنت من أسرة غنية أم فقيرة، كما لم أصف
شكلك الخارجي. دعنا نقل إنك من أسرة متوسطة أو
فقيرة، لأنك لو كنت من أسرة غنية، فإنك على
الأرجح لن تستطيع أن تمتلك هذه المواصفات
كلها: المهارة العلمية المتميزة، والإيمان
الشديد بالعلم، مع وضع كل ذلك في خدمة البلد
الذي أنجبك. كان يمكنك، بصعوبة، أن تمتلك
واحدة أو اثنتين من هذه المواصفات، أما
الثلاثة معاً، فهذا صعب للغاية. هل تقول إنني
رجل يفسر الأمور من منظار طبقي؟ حسناً، لن
أعترض. أنا لست حاداً في هذا الأمر، لكنني
مقتنع بأن الطبقة التي يولد فيها المرء لها
تأثير كبير عليه، وأن خروجه على طباعها
وقيمها هو من قبيل الاستثناء قليل الاحتمال،
أما بالصفات التي اخترتها لك، فهذا يصبح من
قبيل الاستثناء النادر. ذكَّرتني. في إحدى
المرات، منذ سنة تقريباً، قال أحد الكتّاب في
مقابلة إذاعية الجملة التالية: أنا أعتقد أن
الطبقة الغنية هي الطبقة الأكثر وطنية في
البلدان الغنية، والأقل وطنية في البلدان
الفقيرة. يا إلهي يا قتيبة. قامت الدنيا ولم
تقعد. تعرض هذا الكاتب لهجوم شرس بدعوى أنه
شكّك بوطنية الطبقة الغنية عندنا، وكان هذا
أول اعتراف علني أسمعه بأن بلادنا فقيرة. في
الحقيقة،أنا لا أؤيده تماماً على هذا الكلام.
وجدته قاسياً. الرجل حر في أن يكون هذا رأيه أو
لا يكون، أما أن يعلنه في الإذاعة، فهذا أمر
غير مقبول. يجب على المرء أن يكون دبلوماسياً
ومرناً في بعض الأحيان"
"إذن
أنت من أسرة متوسطة أو فقيرة، أما شكلك
الخارجي فهو لا يهمني على الإطلاق في الوقت
الحاضر. دعنا نؤجل ذلك إلى وقت لاحق، ونركز
الآن على التناقض بينك وبين دمشق. أريد أن
أضعك يا قتيبة في مواجهة دمشق. لا أعني
الصدام، بل أعني الاختلاف الفكري بين نقيضين
شديدي التناقض. فأنت في الحقيقة لا تشبه دمشق،
ولا بد أن يطرح عليك هذا الاختلاف بعض القضايا
الشائكة، وربما وجدتَ نفسك في بعض اللحظات
مضطراً لاتخاذ قرارات صعبة للغاية. لا تقلق،
سأجد لك معضلات تضعك في هذا الموقع لاحقاً،
لكن دعني أولاً أخبرك فيمَ التناقض بينك وبين
دمشق"
"أنت
رجل علمي لا تقيم وزناً للعواطف، في مدينة
تحيا بقلبها لا بعقلها. هل تعلم يا قتيبة أن
دمشق تنبض؟ نعم تنبض، وكأنها كلها عبارة عن
قلب كبير جداً. لا تسخر، أنا أصلاً لا أقصد
المديح. أنا الآن أصف فقط. دمشق يا سيدي مدينة
عاطفية إلى أبعد الحدود، وإذا كنت تريد
دليلاً على ذلك، فدعني أخبرك أن دمشق تنتج
المتوسط السنوي الأعلى قياساً إلى عدد السكان
من الدموع. هل ظننت أنني أعني أنها مدينة
حزينة؟ أبداً، لكنها تدمع للحزن والفرح،
ولأشياء لا علاقة لها بالحزن والفرح أحياناً.
طبعاً لستُ واثقاً من أنها تنتج المتوسط
الأعلى على مستوى العالم، لكنها دون شك في
المقدمة. وإذا تركنا موضوع الدموع، فإن دمشق
تهب أو تمنع حنوها ومحبتها بطريقة شديدة
الوضوح. فحب دمشق لك سينعكس بوضوح على وجوه
الناس الذين تلقاهم، كما ينعكس في رحابة
الفسحة التي تقدمها لك. دعني أشطح قليلاً
لأقول إن أشجارها نفسها تميل عليك مظللة إياك
من شمسها اللاهبة. أما إذا رفضتك دمشق، فأنت
ستكتشف ذلك بسهولة شديدة، إذ ستجد ناسها
واجمين، وشمسها حارقة، وغبارها كثيف"
"أنت
تسخر في سرك الآن وتقول إنني، وبسبب كوني
رجلاً مسكوناً بالعاطفة، فقد منحت دمشق روحاً
وشخصية إنسانيتين. لن أنكر، ولن أدافع عن
نفسي، فأنا يمكنني أن أسرد لك ألف حكاية أو
مشهد من تلك التي أكرهها في دمشق، لكن كل ذلك
لن ينفي حقيقة عشقي لهذه المدينة عشقاً يجعل
مجرد فكرة العيش خارجها، كابوساً لا يطاق
بالنسبة لي"
"ثم
إنك رجل تنتمي بكل كيانك إلى المستقبل، بينما
دمشق مدينة تلبس أردية التاريخ بزهو، ولا
يخطر لها أن تتخلص منها في يوم من الأيام. إنها
تفخر بوصف نفسها بأنها العاصمة الأقدم في
العالم، وتزهو بأحداث وتواريخ جعلت منها في
قلب العالم في يوم من الأيام، وإذا كان لديك
شك في ذلك، قلّب صحفها واسمع إذاعتها وراقب
تلفزيونها. إنها تكرر وصف نفسها بأنها مدينة
التاريخ مرات متعددة كل يوم. مرة أخرى أؤكد لك:
أنا بهذا الكلام لا أمدح ولا أذم. أنا أصف فقط.
ودعني أخبرك أنني من الناحية الشخصية، لا
أميل كثيراً إلى هذه الطريقة في الانكفاء إلى
الماضي. أنا أماثلك تقريباً في انتمائي
للمستقبل، ويزعجني في أحيان كثيرة، تمسك
مدينتي بالكثير من مخلّفات الماضي، لكنه
الواقع، وعليك أن تعرف أن هذه تمثل نقطة صدام
أخرى بينك وبين المدينة، خاصة أنك متطرف من
هذه الناحية، إلى حد أنك تبدي التذمر الدائم
حتى من اسمك، الذي يذكرّك دوماً بالقدم
والتاريخ"
"بعد ذلك، أنت رجل
منبهر بحضارة الغرب وتقنياته وعلومه، أما
دمشق، فإنها تتعامل مع كل ذلك على مهل. إنها
تبدو وكأنها ليست على عجلة من أمرها. طبعاً هي
لا تأخذ موقفاً رافضاً من تلك الأشياء، لكنها
تتشربها ببطء شديد، وتستقبل منتجاتها
الجديدة بحذر في بادئ الأمر، وإن كانت في
النهاية ستفرد لها مكاناً في حياتها. من ناحية
أخرى، هي لا تفتأ تؤكد التزامها بتلك الحضارة
العتيقة التي كانت ذات يوم منها في موقع
القلب، وبذلك، هي تحتفظ لنفسها بحق استقبال
منتجات الحضارة الحديثة ببطء، دون أن تتجرع
روح هذه الحضارة، بل يمكن القول إن روح هذه
الحضارة لا تحظى بالكثير من الاحترام هنا"
تثاءب
شجاع، ونظر إلى الساعة. كانت قد جاوزت الثانية
صباحاً. لقد سجل حتى الآن عدداً جيداً من
الملاحظات الوصفية حول شخصية بطله، وبدأ
يتعايش معه ككائن من لحم ودم تقريباً. قال
لنفسه أخيراً:
"لن
أستعجل بدء الكتابة عنك يا قتيبة. يجب أن
أفهمك جيداً في البداية، وعليَّ أن أعيش معك
بضعة أيام، بل إنني سأطرح عليك بعض الأسئلة
التي ستواجهني خلال هذه الأيام. بهذه
الطريقة، سنفهم بعضنا بشكل أفضل. الآن،
اعذرني. لقد نعست"
أطل
بعينيه، من خلال النافذة الزجاجية العريضة،
على تلك الشرفة. كانت معتمة. في تلك الأيام لم
تكن تظلم في مثل هذا الوقت. كانت نجوى تظل
هناك، ساهرة إلى وقت متأخر من الليل في معظم
الأيام. تنهد، وابتسم، وقال:
-
ستعجبك هذه الرواية
يا نجوى. سأسكب فيها كل ما في روحي من عاطفة
نحو المدينة التي عشتِ فيها عدة سنوات فيما
مضى.
ثم
استدار متجهاً إلى الطاولة، وأخذ يلملم
أوراقه وكل ما بعثره هنا وهناك، والتفت ثانية
عبر النافذة إلى تلك الشرفة، وقال:
-
تصبحين على خير يا
نجوى.
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية