|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
بعد
أن غادراه بنحو الساعتين، جاءت عفاف. حين دق
الباب، عرف فوراً أنها هي، فلدقاتها دوماً،
إيقاع خاص كأنما هو زغرودة ابتهاج ماجنة بعض
الشيء. هتف بها مرحباً:
-
عفاف! أين أنتِ؟
دخلت
كالعاصفة وهي تصيح:
-
وما دمت تريدني لماذا
لا تسأل عني؟ هل تحتاج من يدلك على طريقي؟
طريقي معروف إلى درجة أن الذين يسلكونه أكثر
بكثير مما أرغب.
ابتسم،
وأغلق الباب ولحق بصيحاتها التي كانت تصله
الآن من المطبخ. كانت تتفقد الخزائن باحثة عن
شيء ما، فقال لها:
-
ماذا؟ هل تريدين
شيئاً؟
التفتت
إليه صائحة:
-
طبعاً أريد. عرق عرق
عرق. ما هذا؟ لماذا لا تدلل نفسك ببعض
الويسكي؟
قال
مبتسماً:
-
يوجد. إنه هناك في
الخزانة التالية.
فتحت
الخزانة، وجاءت بالزجاجة وأخذت تصب كأساً
لنفسها وهي تقول:
-
أصب لك كأساً؟
-
لا. سبقتك. كأسي
تنتظرني في الصالة.
-
ماذا؟
-
عرق.
-
ألم أقل لك؟ أنت منذور
للفقر.
توجهت
نحو الصالة، وألقت نظرة. كان لا بد من تلك
النظرة وتلك التعليقات التي تليها في كل مرة
تزوره فيها. ففي منزل شجاع فارس، يجد المرء
دوماً شيئاً من الفوضى، لكنه في مكان أو آخر،
يجد أيضاً الكثير من الجمال.
كان
قد صمم منزله بطريقة أنيقة مرهفة. كان ثمة ركن
عزيز فضله دوماً على كل ما عداه. فهناك، يوجد
كرسيان شاعريان ينتصبان متقابلين في دعوة
ضمنية إلى لقاء حب، بينهما طاولة صغيرة أنيقة
تتسع لكأسين وبعض اللوازم الضرورية الأخرى،
وقبالتهما تقوم تلك النافذة الزجاجية
العريضة التي لا تطل في الصباح إلا على
الضجيج، أما بعد أن يهبط الليل، فإنها تعرض في
مهرجان احتفالي أضواء دمشق الفاتنة، لكنها
صباحاً ومساءً وفي جميع الأوقات، تنقل إلى
مخيلته صورة نجوى، حين كانت تملأ بحيويتها
فضاء تلك الشرفة.
في
الصالة أيضاً، ثمة لوحات موزعة هنا وهناك
كانت عفاف تقف كثيراً قبالة بعضها وتصيح:
-
ما هذا؟ كيف تفهم منها
شيئاً؟ تعال. تعال وأفهمني. لا شك أنك ستقول لي
إن هذا الخط يرمز إلى الحياة وذلك اللون إلى
التمرد، أو ما يشبه ذلك. لا. لا تشرح شيئاً. لا
أريد أن أفهم فذلكاتكم أنتم المثقفين.
أما
المكتبة الكبيرة فهي في غرفة النوم، حيث يوجد
أيضاً سرير عريض وكأنه يتوقع دوماً ضيفاً
يشاركه فيه، وطاولة وكرسي للكتابة، وصور
متعددة غطت الجدران خلال فترات متفرقة، فأتت
متنافرة وغير منسجمة لا في الشكل ولا في
المضمون. فمن ناحية الشكل، أتى بعضها ملوناً
والبعض الآخر بالأسود والأبيض، إضافة إلى
الفروق في الحجم والجودة، أما من ناحية
المضمون، فلا شك أنها الغرفة الوحيدة في
التاريخ البشري التي تصالح فيها لينين
وغيفارا، مع عبد الناصر، ومع المسيح، وتمكنوا
جميعاً أن يقيموا في وئام تام مع مجموعة من
عارضات الأزياء وملكات الجمال والممثلات،
اللواتي تظهر الصور من أجسادهن الجميلة
النضرة أكثر مما تخفي.
وسط
هذا كله، لا يكتمل المشهد إذا لم نضف إليه كتب
شجاع وأوراقه المتناثرة في كل مكان من الشقة،
وأعقاب سجائره، وفناجين قهوته، وكؤوسه.
لكنه،
كوفيٍ لإيمانه بالجمال، كان لا بد أن يتخلص في
كل ليلة، وقبل أن يخلد إلى النوم، من هذه
الفوضى كلها، بحيث يبدو بيته في الصباح
مثالاً للترتيب والنظام، وحين أشار صديقه
خالد مرة إلى الفوضى التي تظل قائمة رغم ذلك،
ممثلة بالصور المتنافرة في غرفة النوم، رد
شجاع بثقة:
-
لا. هذه ليست فوضى.
إنها تعبير تاريخي عن فترات متنوعة في حياتي.
ثم ما المشكلة؟ هذه محاولة للصلح بين الثورة
والجمال والعروبة والقيم النبيلة للدين.
سأله
خالد في حينها بما يشبه السخرية:
-
وأيها الأهم في رأيك؟
رد،
بنفس الثقة:
-
كلها. لا يمكن أن
أفرّق كثيراً. أحتاج إلى الثورة والأخلاق،
وأؤمن بالعروبة، لكنني لا أستطيع أن أكون هذا
كله إن لم أتنفس الجمال بمساماتي كلها.
وكانت
هذه فلسفته منذ زمن بعيد، أي منذ غادر الطفولة
متأخراً، ورحلت عنه نجوى.
جاءت
عفاف بكأسها إلى الصالة، وأخذت تصيح:
-
ما هذه الفوضى؟ كيف
تعيش وسط هذا كله؟
ابتسم
وقال:
-
ألفان وأربعمئة
وثلاثة وعشرون.
نظرت
إليه باستغراب وقالت:
-
ما هذا؟
-
عدد المرات التي قلتِ
فيها هذا الكلام.
ابتسمت،
واتخذت مكانها على أحد كرسيي ركن الحب، فحمل
كأسه ولحق بها. شربا، وتبادلا بضع نكات ماجنة،
ثم مارسا الجنس، ومضت.
كان
قد عرفها قبل نحو أربع سنوات في لقاء غريب
جداً. حصل ذلك في ليلة غمرت فيها الكآبة روحه،
حين اكتشف أخيراً أنه قد فقد نجوى لضعفه، لعدم
استحقاقه إياها، وليس لأنها خدعته كما كان
يعتقد قبل ذلك. ليلتها، قاده صديقه الرائع
خالد، إلى ملهى يعرفه جيداً ليسري عنه،
وهناك، حصل عليها في آخر الليل، وانفردا
أخيراً في شقة يمتلكها أهل خالد كانت فارغة في
ذلك الحين. حين دخلا قال لها:
-
اجلسي
حيث تشائين وسأعود حالاً.
ذهب
إلى المطبخ وصبَّ كأسين من الويسكي وعاد
بهما، فقالت عفاف:
-
ستشرب المزيد؟
-
أجل. وأنتِ أيضاً.
-
لكنك
شربت كثيراً.
ابتسم
بغباء وقال :
-
كنتِ
تراقبينني طيلة السهرة إذن؟
-
لا،
لكن هذا واضح عليك.
انقلبت
سحنته إلى حزن طفولي وعاوده الاكتئاب والكدر.
شرب
نصف كأسه دفعة واحدة ثم خلع نصف ملابسه ورماها
بإهمال وجلس على الكنبة بجوارها. كانت ترتدي
تنورة قصيرة جداً فمدَّ يديه يداعب ساقيها
المكشوفتين بفظاظة وهو يسألها:
-
ما اسمك؟
-
عفاف.
نظر
إليها ببلاهة ثم انفجر بضحك هستيري وهو يقول :
-
عفاف؟
اسم على مسمى والله.
امتقع
لونها وهي تراقبه، فتابع قائلاً:
-
لا
تحزني يا صغيرتي. بعد قليل سنرى موضوع العفاف
هذا.
كان
في ذلك الوقت يشعر بميل غريب إلى القسوة، وفي
تلك اللحظات وجد أمامه هذه المسكينة ليفرغ
فيها شحنة غضبه وألمه. قال لها فجأة بعد أن
توقف عن الضحك:
-
اخلعي ملابسك.
قامت
ونفذت ثم عاودت الجلوس.
أخذ
يتأملها بشراهة ثم قال:
-
من
أين أتيتِ بهذا الجسد الجميل؟
-
الله خلقه هكذا.
عاد
للضحك، وقال :
-
تسمعين به؟
-
من؟
-
الله.
صمتت
وأطرقت والحزن يكاد يقتلها فتابع قائلاً :
-
حدثيني
يا عفاف، هل تصلين؟
-
أحياناً.
كان
لا يكف عن الضحك وهو لا يشعر بنفسه ويعجز عن
السيطرة عليها. كان يتصرف بفظاظة وقسوة
غريبتين تماماً عن طباعه، ولكنه لم يكن بعد
شجاع، بل مجرد رجل سكران حتى الثمالة.
-
وماذا
تطلبين من الله يا عفاف؟
-
أطلب
منه أن ينجيني من هذه القذارة التي أعيش وسطها.
أفرغ
كأسه في جوفه ومضى يصب كأساً جديدة دون أن
يتوقف لحظة عن الضحك. سألها :
-
ولماذا
تعيشين فيها طالما تعرفين أنها قذارة؟
-
الظروف
والمجتمع يحكمان أحياناً.
أخذ
يصفق بسخرية وهو يقول:
-
تحللين
المجتمع أيضاً. تعالي إذن نتحدث في السياسة...
نهضت
عفاف وأخذت تصرخ :
-
كفاك
الآن. ما هذا كله؟ هل تظن أنك بالمال الذي
دفعته قد نلت الحق بأن تهينني؟ لا يا سيد،
بهذا المال امتلكت جسدي ليلة واحدة ولكني لن
أسمح لك بأن تهينني أكثر من ذلك. هاك جسدي الذي
دفعت فيه. هل تريده؟
صمت،
فأخذت ترتدي ملابسها بغضب شديد فيما شعر وكأن
ماءً بارداً قد انسكب فوق رأسه. صحا تماماً
على غضبها وصراخها ونهض نحوها وأمسك بيدها
قائلاً:
-
أرجوك
يا عفاف سامحيني. أنا لا أعرف كيف أفعل ذلك
ولكنني صدقاً لست في وضعي الطبيعي.
-
لست
متاعاً حتى تنفس بي عن حزنك أو غضبك. ها هي
شقتك عامرة ما شاء الله فخذ أي شيء وحطمه، أو
لعلها أشياء ثمينة. حطم إذن شيئاً أرخص. حطم
رأسك مثلاً بهذا الجدار.
-
كفى
يا عفاف. كفى.
كان
الغضب والشراب وما وجد نفسه فيه الآن عوامل
قاسية على روحه الشفافة. وفجأة ركع على ركبتيه
وأخذ يبكي كالأطفال. نظرت إليه عفاف، ورأت
دموعه، فتبخرت دفعة واحدة مشاعر الغضب
والكراهية التي شعرت بها نحوه، وأحست بحنان
يجتاحها. اقتربت منه وداعبت رأسه قائلة:
-
لا بأس، لا بأس.
نظر
إليها وقال:
-
أنا حقاً آسف.
ابتسمت له
ويدها تتخلل شعره، وقالت:
-
وأنا
أيضاً. لقد قسوت عليك كثيراً. واضح أنك إنسان
حقيقي. لقد أحسست بي تماماً وأنا لم أعتد على
ذلك.
ساد
الصمت للحظات، ثم اقتربت منه وقالت :
-
وبعد،
هل تريدني؟
ظلَّ
صامتاً فاقتربت منه وأخذت تداعبه حتى تحرك
أخيراً وأخذها بين ذراعيه إلى غرفة النوم.
ومنذ
تلك الليلة، بدأت علاقتهما التي لم تنته حتى
الآن، ولا تلوح لها في الأفق علامات نهاية.
حدثته يومها عن حياتها وظروفها، وتلك الأشياء
التي قادتها إلى أن تصبح بائعة هوى، وكانت
كالمعتاد الفقر والجوع والقسوة، وحدثها
معتذراً مرات متعددة عما بدر منه، مؤكداً أنه
كان شخصاً آخر لا يمت إلى روحه وأخلاقه
الحقيقية بصلة، وأكدت له أكثر من مرة أنها
سامحته، وأن دموعه كافية لإثبات صدقه ونبله،
وسألته بخجل عن هذه الدموع، وهي تخشى أن يرد
عليها رداً مهيناً بأن هذا ليس شأنها، لكنه
أجابها، وحكى لها بعض الأشياء عن نجوى، وحين
آن أوان الوداع، قالت له:
-
أنت حزين يا عزيزي. لا
تحزن كثيراً. قد تعيد لك الأيام حبك. ما دام
هناك غد لا تفقد الأمل.
هزَّ
رأسه مرات متعددة بأسى، لكنه لم يكن راغباً
بمتابعة الحديث عن الموضوع، فقال لها
متجاهلاً كلامها:
-
وأنتِ؟ إلى متى
ستعملين بهذه المهنة؟
هزت
كتفيها وكأنها تقول: لا أدري، فقال لها:
-
أنت طيبة وحنونة يا
صديقتي. تستحقين شيئاً أفضل.
أغمضت
عينيها بحنين، وابتسمت، وكاد قلبها يذوب بين
ضلوعها وهي تقول:
-
يا صديقتي. يا الله ما
أجمل هذه الكلمة. أول مرة في حياتي أسمعها من
رجل دفع ثمن جسدي وناله.
ابتسم
وقال:
-
اسمعي، سأساعدك على
التخلص من هذا الوضع.
هزت
كتفيها وقالت:
-
لا تتعب نفسك. تعودت
القذارة. ربما أصابتني النظافة بالمرض.
صمتت
قليلاً ثم تابعت:
-
ثم إنني أقوم من خلال
عملي برسالة مهمة، لماذا تريد أن تحرمني
إياها؟
قال
بدهشة:
-
رسالة؟
هزت
رأسها مؤكدة وقالت:
-
طبعاً رسالة. عندما
يعطي الغني كسرة خبز إلى محتاجها، ألا يكون
هذا عملاً نبيلاً؟ وأنا أيضاً، أمنح كسرة
الحب لمن يحتاجها.
ضحك
وقال:
-
عظيم. قد فلسفتِ
المسألة إذن؟
-
لكنها ليست فلسفة
فارغة.
-
ربما، لكنك لا
تستطيعين أن تمنحي كسرة الحب، بل كسرة الجسد.
الحب أعمق بكثير من الجسد.
هزت
كتفيها باستخفاف وقالت:
-
هراء. الرغبة والجنس
هما تسعة أعشار الحب. انظر إلى أي رجل وامرأة
يبدآن علاقة، إنهما يدوران ويدوران وأهم هدف
في ذهن كل منهما هو الجنس. يتحدثان عن القمر
والنجوم والزهور والليل والشعر، وكلٌ منهما
يفكر في الفراش ويلمح إليه بخطوات محسوبة
بحيث لا يبدو مندفعاً بشكل رخيص، أو ممتنعاً
إلى حد الرفض التام.
أمعن
التفكير بكلامها، وقد بدأت تعجبه طريقة
حديثها التي تكاد توحي بأنها خريجة جامعية
مثقفة، لا بائعة هوى، ثم قال:
-
لكن هل أنت واثقة بأن
الذين يقصدونك يبحثون حقاً عن كسرة حب؟
-
أبداً، بالعكس،
أكثرهم وحوش مفترسة لاهثة. لكن المسألة تشبه
أن تعطي متسولاً شيئاً من المال. أنت لن تعرف
أبداً إن كان بحاجة حقيقية أم أنه اتخذ
المسألة مهنة، لكنك ترتاح لأنك لم ترد من سألك
حاجة، وإذا كان واحد فقط من كل مئة صادقاً
فهذا حسبك.
صمتت
للحظات قبل أن تتابع:
-
لكن الناس في
غالبيتهم لا يدركون فلسفة الجنس. حين تستبد
الرغبة بجسد رجل أو امرأة فإن كل خلية من
الجسد تنادي، وليس مجرد عضو صغير تافه. لا
يدركون ذلك، يظنون أن ذلك العضو هو المهم وهو
الأساس. يمارسون الجنس بأعضائهم التناسلية،
أما ممارسة الحب فتتطلب اشتراك الجسد كله.
سماها
الفيلسوفة عفاف منذ تلك الليلة، وقد تضايقت
أول الأمر من السخرية المبطنة التي تنطوي
عليها التسمية، ثم ما لبثت أن تقبلتها ووافقت
عليها برضى. ودامت علاقتهما، دامت بفضل
إصرارهما معاً على استمرارها. كانت وفية
لفلسفتها التي تقول إن جسد امرأة طري وحار
ومشتعل بالشوق هو خير دواء للرجل المتوحد
الحزين، وكانت واثقة تماماً من أنه متوحد
وحزين، فخلف الضجيج والحماس والاندفاع، كانت
هي من بين القلائل الذين لمحوا ذلك الشجن
الخفي الذي طوى جناحيه عليه منذ زمن طويل.
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية