أطياف الشمس

القسم الأول: كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-3-

بعد مرور بعض الزمن على تلك المصافحة التاريخية (لا! لا أتحدث عن واحدة من تلك المهازل! أنا أعني فقط مصافحة الكاتب مع بطله)، توجهتُ إلى منزل قتيبة للمرة الأولى.

يمكنني باختصار أن أصف تلك الزيارة بعنوان يصلح أن يوضع كمانشيت صحفي من الطراز الأول: "سقوط جميع المسلمات"، ثم، في عنوان فرعي: "قتيبة يكشف عن وجهه الحقيقي أمام ذهول المحققين"

الأمر لم يبدأ بعد دخولي إلى بيته. لا! لقد بدأ وأنا أهم بضغط زر جرس الباب. لحظتها سمعتُ صوت صرخة من الداخل. إنه صوت قتيبة. كان يصرخ: "يا إلهي!" وفي اللحظة نفسها سمعتُ صوت ارتطام ما. أجفلت، وتراجعت لبرهة، لكنني عدت وضغطت الجرس، فأنا آتٍ إليه على موعد، ثم إن مشاجرة ما قد تكون جارية في الداخل، ولا شيء يحول دون الاعتقاد أنها مقدمة للملحمة، أو للقضية، التي على قتيبة أن يعيشها لكي يستحق أن يكون بطلاً لروايتي.

سمعتُ صوت خطوات مستعجلة، ثم انفتح الباب وظهر قتيبة. قال بانفعال:

-         أهلاً شجاع. أدخل. أدخل.

كان يتقدمني إلى الصالة مسرعاً. أغلقت الباب ولحقت به وأنا أسأل:

-         ما بك يا قتيبة؟ خيراً؟

-         ضاعت علينا فرصة رائعة.

ولم يكد يتم جملته حتى صاح:

-         جول. جول.

كان يقفز. دكتور الفيزياء النووية كان يقفز، بل إنه هجم عليَّ وعانقني.

-         هدف يا شجاع. أخيراً هدف.

منتخبنا الوطني قد سجل هدفاً إذن في مباراة حاسمة. لكنني لم أستطع أن أخفي انزعاجي. ما دام مهتماً بمتابعة المباراة إلى هذا الحد، فلماذا يعطيني موعداً في الوقت نفسه؟

وكأنه قرأ أفكاري، برر دون أن أسأله:

-         أنا آسف جداً يا شجاع. كنت قد نسيت تماماً موعد هذه المباراة حين ضربتُ لك موعداً. اجلس. اجلس.

تبخر انزعاجي، بل تحول إلى سعادة. يمكنني الآن أن أتابع المباراة معه. بالأمس، حين حدد بنفسه هذا الوقت للزيارة، شعرت بشيء من الإحباط. إنه يتعارض مع موعد المباراة الحاسمة، لكنني لم أعترض. خجلتُ أن أقول لقتيبة إنني أفضل وقتاً آخر من أجل مباراة بكرة القدم. إنه لا يطيق هذه اللعبة كما افترضت، واعتذار من هذا النوع، ولهذا السبب "التافه"، كان سيترك تأثيراً سلبياً على علاقة كانت بالكاد قد بدأت.

كان لديَّ فضول شديد للتعرف على بيت قتيبة. أخذت أتابع المباراة برفقته، لكنني كنت أستغل الدقائق التي تخلو من خطورة اللعب لأتجول ببصري عبر ما استطعت التقاطه من الشقة.

وسريعاً، تهاوت مسلمات عديدة. فالكتاب المتروك على طاولة في الصالة مقلوباً بما يدل على الموقع الذي وصل إليه، هو ديوان شعري لنزار قباني، ومكتبة الأشرطة الكبيرة تنم عن اهتمام موسيقي واسع، وتتصدرها الأقراص المدمجة الخاصة بفيروز. لمحتُ أيضاً أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب، كما لمحتُ وجوهاً شابة، وبعض الأشرطة الغربية.

أما المكتبة، فقد تمعنت في عناوينها حين نهض هو ليصنع القهوة بين شوطي المباراة. مجموعة كبيرة من الكتب العلمية باللغتين الانكليزية والفرنسية تشغل ثلاثة رفوف، أي حوالي عشرة بالمئة لا أكثر، من مكتبته الضخمة، أما الباقي فيمكن ضمنه العثور على كل شيء: الفلسفة والأدب والسياسة والدين والاقتصاد وعلم النفس...

قلت لقتيبة حين كان يضع القهوة على الطاولة بعد أن عاد بها من المطبخ:

-         دكتور قتيبة...

لكنه قاطعني:

-         يا شجاع. منذ اللقاء الأول صرت أناديك شجاع بدون رسميات، هل تريد أن تُشعرني بالذنب حين تحدثني بهذه الطريقة؟ هل تريد إشعاري بخطأي؟

ضحكت وجلست وأنا أقول:

-         طيب. قتيبة، هل أنت مهتم فعلاً بالفيزياء النووية، أم أنه اختصاص فُرض عليك فرضاً؟

قدم لي فنجاني وهو يجيب باستغراب مبتسماً:

-         فرض عليَّ؟ كيف ذلك؟ أنا يُفرض عليَّ شيء ما؟ أنت لا تعرفني إذن. أنا والحرية عشيقان لا يمكن الفصل بيننا.

مفردات غير متوقعة منه على الإطلاق. "الحرية"، "عشيقان". لا! لا! يبدو أنني كثير الإدعاء حين أزعم أنك هو.

أردف قتيبة:

-         لكن لماذا تسأل؟

-         كنت أطالع العناوين الموجودة في مكتبتك. سألت نفسي متى تجد الوقت لهذا كله؟ أستطيع أن أقول إن لديَّ فكرة عمن يعمل باختصاصك هذا بأنه لا يملك أي فائض من الوقت، بل إن الساعات الأربع والعشرين تبدو له قليلة جداً، وربما سأل نفسه لماذا على الإنسان أن يضيّع منها الكثير في النوم وتناول الطعام وما شابه ذلك.

ضحك قتيبة وقال:

-         نعم. إنني أسأل هذه الأسئلة حقاً. لكن ليس من أجل اختصاصي العلمي تحديداً. هذا يكفيه ما أعطيه من وقتي. إنني أعطيه عشر ساعات يومياً. لكنني أريد وقتاً أكبر للقراءة ولارتياد المسارح وصالات السينما والذهاب إلى حفلات موسيقية والدردشة مع ثرثار مثلك.

ضحك وهو يتأمل رد فعلي بارتباك، ثم قال:

-         أرجو ألا تنزعج. أحب أن تكون العلاقة مع الأصدقاء مرحة.

أجبته مبتسماً:

-         وأنا أيضاً، ويسرني أنك اعتبرتني واحداً من الأصدقاء.

-         لكن انتظر الآن. لقد بدأ الشوط الثاني.

وانتظرت. كان أسوأ ما يمكن افتراضه بعد ذلك هو أن يخرج منتخبنا خاسراً من هذه المباراة، لأن ذلك، بالإضافة إلى الحزن الذي سيسببه لي، كان سيُفسد اللقاء. صار واضحاً لي أن مزاج قتيبة لن يسمح بأي حوار مفيد فيما لو هُزم المنتخب.

لحسن الحظ استطاع منتخبنا تسجيل هدف آخر (ترافق بالطبع مع انفعالات قتيبة نفسها، وكانت حصتي قبلة جديدة منه)، وانتهت المباراة إلى فوزه. قال قتيبة مع انطلاق صافرة الختام:

-         رائع. مبروك يا شجاع. سأجلب لك كأساً احتفالاً بالمناسبة.

"توقعتُ منك ذلك. ألم أقل إنك قد تخالف بعض الأحكام أحياناً"، قلتُ في سري بينما كان ينهض. غاب لدقائق، ثم عاد حاملاً صينية عليها كأسان وبعض الصحون الخفيفة التي يبدو أنها كانت معدة سلفاً. وضعها أمامه وجلس وأخذ يوزعها وهو يقول:

-         أتعرف؟ أصبحنا نفتقد الانتصارات إلى حد أن انتصاراً رياضياً متواضعاً يُشعرنا بنشوة ربما كانت تزيد بكثير عما يستحق الموضوع.

"عظيم! الحوار سيكون حامياً إذن". قلتُ له:

-         أتعرف يا قتيبة أنك رجل مدهش؟

قدّم لي كأسي وهو يهز رأسه مبتسماً ويقول:

-         أعرف. مللتُ من سماع ذلك. أنا رجل مدهش فعلاً. لا ألوم أحداً على هذا الوصف. رجال العلم ساهموا في إعطاء انطباع عن أنفسهم يجعل من المنطقي تماماً أن أوصف أنا بأنني مدهش.

صمت قليلاً، ثم رفع كأسه وقال:

-         لنشرب نخب صداقة جديدة، وجميلة.

رفعتُ كأسي مبتسماً، وأكدتُ:

-         جميلة. نعم. يبدو أنها ستكون كذلك.

شربت القليل، وأشعلتُ سيجارتي، وسألتُه:

-         أنتَ أيضاً تشعر بالافتقاد للانتصارات؟

-         أتساءل: ماذا تعني بـ "أنت أيضاً"؟ أنت تعود بنا إلى النقطة نفسها: أنني رجل مدهش. أستطيع أن أفسر سؤالك بأنك تفترض بأن رجل العلم هو رجل درس في الغرب، فهو متأثر كثيراً به. لن أنكر. يعجبني الغرب. يعجبني الكثير فيه. لكنني أريد أن أصنع مثله هنا. ليس مثله تماماً، فأنا لا أريد أن أعيد إنتاج ثقافة تافهة كثقافة الهامبرغر، لكنني أتحدث عن التقنيات والعلوم، عن القوة، عن بعض المبادئ الجميلة والإنسانية التي أصبحت مكرّسة هناك.

كانت دهشتي تتصاعد. في البداية، قلتُ في سري: "ها! هذه نقطة موفقة. لقد قلتُ منذ البدء إنك مفتتن بالغرب، لكنك مخلص في أن ترى مثله في وطنك"، لكنني ما لبثت أن تراجعت حين نطق بعبارة "ثقافة تافهة كثقافة الهامبرغر". سألته:

-         أنت أيضاً تتحدث عن ثقافة الهامبرغر؟

هز رأسه مؤكداً وهو يجيب:

-         رغم أنني أحب الهامبرغر. بالمناسبة، أنا رجل أكول جداً. أعشق الطعام والشراب بشكل هائل. أعشق أيضاً الهامبرغر. إنها أكلة لذيذة. إذا اكتفت بأن تكون طعاماً فأنا أرحب بها، لكنها الآن رمز لثقافة كاملة، ثقافة قائمة على الاستهلاك السطحي التافه.

-         وعن أية ثقافة تبحث أنت؟

-         بصراحة، عن ثقافة لم توجد بعد. لا أستطيع أن أعثر عليها في تاريخ قريب أو بعيد. ثقافة تمثل خلاصة حضارة إنسانية رفيعة قائمة على العدل والمساواة والكرامة الإنسانية. ثقافة ترتكز على الشعر والفلسفة، لا على القوة العسكرية والمصالح الاقتصادية.

ابتسمتُ. إنه يحقق ما هو أفضل بكثير مما توقعتُه منه. كنت أتأمله وهو يواصل تدفقه في الحديث. تحدث طويلاً عن ابتعاد الحضارة التقنية الحديثة عن روح الشعر والفلسفة. وصفها بأنها تجارة وحسب، قوة وحسب. تحدث عن حياته في الغرب وكيف كان يعد الأيام بانتظار أن يعود ويشم ياسمين دمشق. (نعم! لقد قال ياسمين دمشق، بالضبط هكذا. لم يتحدث عن أوابدها ولا عن ترابها)، وضرب أمثلة مأخوذة عن فلاسفة متعددين (وقد كان ماركس، لدهشتي الشديدة، واحداً منهم). تابعتُه لوقت طويل وأنا أتساءل: "هل ستُكتب الرواية إذن؟ ها هو بطلي أمامي. لم يعد نقيضاً لدمشق كما صورتُه في البدء. لا بأس. يمكن التنازل عن هذه النقطة، ولكن، أين قضيته؟ أين ملحمته؟"

صمت قتيبة تماماً. كان قد تعب من الكلام، أو ربما لاحظ أنه يتصرف وكأنه قد استمتع بكونه "رجلاً مدهشاً" فراح يستعرض نفسه بطريقة ترسخ حقه بهذا الوصف، وتنتقل بسامعه من دهشة إلى أخرى. أخذ قسطاً من الراحة، ثم قطعه بمرح وهو ينهض قائلاً:

-         دعنا نستمع إلى بعض الموسيقى.

نعم! لقد اختار فيروز. إنه يتعمد أن يدهشني، لكنه أبقى لي على واحدة إلى نهاية السهرة. كنا قد انتقلنا إلى حديث مرح ولطيف أخذت أكتشف من خلاله أكثر فأكثر روح الدعابة التي تتحرك بخفة، ودون أي اصطناع، داخل هذا الإنسان، وفي لحظة ما، قطع الحديث، وتراجع مستنداً إلى مقعده، وأشار إليَّ بأن أصمت قليلاً. كنت أود أن أطلب منه الأمر نفسه، لكنني شعرت ببعض الحرج، فلم أفعل. وصمتنا معاً، ولم نعد نسمع إلا صوتها قائلة:

 

يا طير يا طاير على طراف الدني...

لو فيك تحكي للحبايب شو بني...

يا طير...يا طير...


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية