أطياف الشمس

القسم الأول: كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-7-

عندما أخذ قتيبة مكانه خلف المقود، وقبل أن يدير مفتاح التشغيل، نظر إليَّ مبتسماً وقال:

-         أرجو أن تكون ممن يتحلون بروح رياضية.

-         لماذا؟ هل ستأخذني لحضور مباراة؟

ضحك، ومد يده إلى درج في السيارة، وتناول عصابة سوداء. نظرتُ إليه بدهشة، فابتسم وقال:

-         يمكنني أن أريك شيئاً يهمك، لكن فقط إن وافقت على أن أضع هذه العصابة حول عينيك.

قلتُ باستنكار:

-                     لماذا؟

رد مبتسماً:

-         يا أخي وافق دون أسئلة الآن، لكنني أؤكد لك أنك لن تندم في النهاية.

قلتُ باستسلام:

-                     حسناً.

شد العصابة جيداً حول عينيَّ، ثم أدار محرك السيارة. قلتُ له:

-         أنت تُشعرني بأننا نمثل دور البطولة في فيلم بوليسي.

ضحك وقال:

-         عظيم. أليس هذا شعوراً مثيراً؟

-         بالنسبة لشجاع كروائي: نعم، أما بالنسبة لشجاع كصديق، كما اعتبرتَه بنفسك، فإن الأمر يبدو مهيناً.

سمعت صوت فرامل السيارة تتوقف. قال قتيبة بحدة:

-         إذا كنتَ ستنظر إلى الأمور بهذه الطريقة، إذن لنعد من حيث أتينا.

-         هل تتحكم بي يا أخي؟ كنت أعبر عن شعوري.

-         لا أفهم شعوراً كهذا. أنا أقودك إلى مشهد لم ترَ مثله في حياتك، وألتزم بضرورات أمنية لا يجوز أن يتخلى عنها من هو مثلي ولو مع أمه، وأنت تتحدث عن الإهانة؟

ابتسمتُ وقلت:

-         لا بأس. أعتذر عن هذه الكلمة. معك حق.

أدار المفتاح ثانيةً، وانطلقت السيارة من جديد. سألته:

-         ولكن كيف هذه؟

-         أية واحدة؟

-         "إما تطبيعي أو مالك للسلاح"؟

-         لأنك إن لم تمتلك السلاح فأنت ستتصرف في بعض المواقف كتطبيعي مهما كانت شراسة عداوتك للتطبيع. أنتَ رجل يربي العصافير ويعنى بالزهور ولا يريد شيئاً من العالم عدا ذلك، لكن ثمة رجلاً بعضلات مفتولة يتربص بعصافيرك وزهورك. ماذا تفعل؟ تمنعه؟ طبعاً، ولكن بعضلاتِك الضامرة هذه؟ هذا يدعى انتحاراً. إذن لا بد من أن تنميها جيداً، وإلى أن يحصل ذلك؟ ألن تُضطر إلى مداهنة هذا الرجل قليلاً لكي تحمي عصافيرك وزهورك؟ أليس هذا تطبيعاً معه؟

-         لا، لأنني سأشتمه في سري.

ضحك قتيبة طويلاً، ثم قال:

-         الله أكبر. بطولة حقيقية.

ساد الصمت لبضع دقائق، ثم قطعه قتيبة قائلاً:

-         أتعرف يا شجاع أننا، بالرغم من خلافنا، نعمل من أجل المبدأ نفسه؟

هززت رأسي مؤكداً وقلت:

-         نعم، ولكن بطريقتي تفكير مختلفتين.

-         حتى إنهما ليستا مختلفتين إلى هذا الحد. أتذكر حين كنتَ تظن أنني لا أحب "خبطة قدمكم"؟

تسارعت دقات قلبي بشدة. رفعتُ حاجبيَّ باستغراب، وقلت:

-                     أنا؟

-         أجل أنت.

-         لم أقل لك أمراً كهذا.

-         قلتَ يا شجاع. قلتَ. هل سأخترع الأمر إذن؟ لعلك نسيت. المهم، كنت أريد أن أقول إننا نحب "خبطة قدمكم" معاً، لكن أنت تغنيها، وأنا أعمل من أجلها.

شعرت بنفسي في قفص اتهام ولا بد من دفاع. قلتُ معترضاً:

-         ولكن غنائي لها هو...

قاطعني:

-         ولكن غناءك لها هو الأساس. أنت من ألهمني أن أفعل ما أفعل. هذه هي الحالة المثالية التي أتمنى أن أراها ذات يوم: الفلسفة تقرر، الفن يقرر، الشعر يقرر، وعلى العلم أن ينفذ.

فكرة رائعة، لكنها لن تثنيني عن مواصلة تفكيري بهذه: هل قلتُ للدكتور قتيبة مشهور إنني أعتقد أنه لا يحب "خبطة قدمكم"؟ وأخذتُ أنقب في ذاكرتي. لم يكن الأمر بحاجة إلى جهد كبير، فأنا لم ألتقِ مع الدكتور قتيبة مشهور إلا يوم تعارفنا في منزل أنور وسوسن، واليوم. في منزل سوسن وأنور، أستطيع أن أجزم بأن هذا لم يحدث. طيب، اليوم؟ لقد مرت ساعات متعددة على فوز منتخبنا الوطني في مباراته، وتحدثنا لوقت طويل جداً، لكن أبداً. أستطيع أن أقسم! لم آتِ على ذكر خبطة قدمكم من قريب أو بعيد. أو...أو ربما حين كنا نستمع لفيروز؟ لا لا. لم يحدث. كنا محلقين مع روحي امرأتين تبيّن في نهاية الأمر أنهما ليستا سوى امرأة واحدة. إذن...

أدرت وجهي إليه أريد التفرس في ملامحه، لكن العصابة السوداء كانت مشدودة جيداً. كدت أسأله: "من أنت؟"، لكنني شعرت بالسيارة تتهادى وتبطئ من سرعتها إلى أن توقفت. سمعت صوتاً يقول:

-         أهلاً دكتور قتيبة.

-         صباح الخير.

-         صباح النور.

-         هل نستطيع أن نمر؟

-         بالطبع، ولكن...معك ضيوف؟

-                     أجل.

-                     من؟

-                     صديق.

-         هل تمتلك ثقة كافية؟

-                     طبعاً.

-         هل تسمح ببطاقتك الشخصية يا أخ؟

فهمتُ أن الكلام موجه لي، فمددت يدي وناولته ما طلب. ساد الصمت للحظات، ثم سمعت الصوت يقول:

-         شجاع فارس؟ الروائي نفسه أم أن هناك تشابهاً في الأسماء؟

رد قتيبة:

-         لا. هو بنفسه.

-         حسناً. تفضلوا.

سمعتُ صوت جلبة ضخمة. كان هناك باب حديدي ينفتح على ما يبدو، ثم تحركت السيارة من جديد.


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية