أطياف الشمس

القسم الأول:   كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete)

Home Page

 

-3-

حين جاءت نائلة بفناجين القهوة وبدأت بتوزيعها، أخذت حدة الحوار تخف تدريجياً. كانت أم علي في تلك اللحظات تصيح بعصبية:

-         يا جماعة. إذا كنتم لا تستطيعون الاتفاق على مسألة بسيطة كهذه، فلتنتظروا إذن حتى يتمكنوا في المرة القادمة من قتلي، وبعدئذ تجتمعون وتقولون: رحمها الله. ليتنا سمعنا كلامها منذ البداية.

كانت تريد الاسترسال في الحديث، لكن الدكتور فايز قاطعها قائلاً:

-         تفضلوا القهوة يا جماعة.

تناول شجاع فنجانه من يد نائلة وهمس لها مبتسماً:

-         سلمت يداك. جاء في وقته تماماً.

ارتشفت أم علي من فنجانها رشفة صاخبة، وبدأت تبحث بعينيها عن شيء ما، فأخرج شجاع علبة سجائره واقترب منها يقدم إليها واحدة. نظرت إلى علبته بما يشبه القرف وقالت:

-         حمراء طويلة. هل عندك حمراء طويلة؟

أجابها مبتسماً:

-         لا. آسف جداً.

نادت أم علي بأعلى صوتها:

-         فهمي...يا فهمي.

وعبر باب الشقة المفتوح، انقذف قادماً من الخارج طفل حافي القدمين يرتدي جلباباً فضفاضاً إلى حد أنه يتسع إلى اثنين آخرين من قياسه، ومثل أمام جدته:

-         نعم يا جدتي.

-         اذهب واجلب لي علبة دخاني سريعاً من البيت.

-                     حاضر.

غادر فهمي وهو يقفز على الأرض قفزاً بمرح طفولي، ليعود خلال ثوانٍ حاملاً معه علبة سجائر الحمراء الطويلة. تناولتها منه أم علي وأشعلت سيجارة، ومجت منها نفساً عميقاً باستمتاع بالغ، وقالت:

-         الله. هذا هو الدخان، وليس تلك الأشياء التي تأتون بها من بلاد الأكابر ولا يعلم إلا الله ماذا وضعوا لكم فيها.

قال شجاع:

-         البركة في المهربين يا خالة. لقد أغرقوا السوق بدخان جيد ومعقول الثمن. في الحقيقة الإغراء لا يقاوم.

انتفض عصام، وقال بجفاء:

-         ماذا تعني يا سيد شجاع؟

-         لا شيء. لا شيء. مجرد دعابة.

-         لكني لا أراها دعابة مناسبة يا أستاذ.

تدخل حسان قائلاً:

-         يا أخي شجاع رجل مخيف. تصوّر، أنا أخشى دائماً أن أجد نفسي، أو أن أجدك، في إحدى رواياته بشكل ساخر لاذع.

قال عصام باستنكار:

-         تجدني أنا؟ وفيمَ يمكنه أن يأتي على سيرتي في رواياته؟ أنا رجل صفحته أنصع بياضاً من الثلج.

 أجاب حسان:

-         وأنا؟ هل يمكنه أن يتناولني في شيء؟ ومع ذلك هو لا يكف عن التلميح وتمرير عباراته الغامضة بمناسبة وبدونها. تصوّر، مرة قال أمام الجيران، وفي حضوري، إنني لا شك أتدبر أمري جيداً، وإن عملي كمحاسب في القطاع العام هو شأن عظيم.

قال شجاع الذي كان يراقب الحوار مبتسماً:

-         لكنني أخبرتك يا حسان أن تلك كانت دعابة.

-         يا أخي دعاباتك أصبحت ثقيلة بعض الشيء.

-         لا بأس. منذ الآن سأطبق عليها ريجيماً قاسياً.

صاحت أم علي وهي تسوّي وضع غطاء رأسها:

-         دعونا نرجع إلى موضوعنا يا جماعة. هه؟ هل ستدفعون؟ الباب الحديدي للبناء أصبح أمراً ضرورياً جداً، وقد رأيتم بأنفسكم. هذه المرة طارت مجوهراتي، وفي المرة القادمة لا نعرف الدور على من.

اقترب شجاع من فايز هامساً:

-         عندي زجاجة فودكا ممتازة.

لمعت عينا فايز بفرح وحنين، فتابع شجاع:

-         أعدك، إذا خلصتنا من هذا الجمع سنسكر عليها حتى الصباح، وعوضي على الله بالنسبة للرواية هذه الليلة.

غمزه فايز موافقاً، ثم توجه إلى الضيوف قائلاً:

-         أنا من ناحيتي موافق على الدفع. لا مشكلة على الإطلاق.

قال شجاع:

-         وأنا أيضاً. على عيني ورأسي خالة أم علي.

قال حسان:

-         حسناً، غداً سآتي بالحداد ليأخذ القياسات ونرى كم ستكلف المسألة. ما رأيك يا سيادة العميد؟ نعرف التكاليف فقط ثم نقرر.

أجاب العميد أمجد:

-         قلت لكم إنني غير موافق على الموضوع برمته. المسألة لا علاقة لها بالتكاليف، لكن الحرس عندي يمضون نهارهم صعوداً ونزولاً. تصوروا، كل دقيقة سينادون عبر الإنترفون، واركضوا لتفتحوا لهم. صعبة جداً.

قال حسان:

-         والله أنا معك في أن نعطيهم مفاتيح الباب.

صاحت أم علي:

-         لا. وماذا نستفيد من الباب إذن؟

صاح العميد أمجد بغضب:

-         ماذا تعنين يا خالة؟

لم ترد أم علي، فهمس شجاع لفايز بنبرة ملل:

-         الفودكا يا فايز. الفودكا.

قال فايز:

-         حسناً يا جماعة، دعونا ننتظر قليلاً حتى نجمع بقية الجيران ونكلمهم، وأنا واثق أن العميد أمجد لن يعرقل الأمر إذا ما وافق الجميع.

كانت ملامح العميد أمجد تقول: بل سأعرقل، لكن هذا التأجيل الذي اقترحه فايز حقق أخيراً أمنية شجاع بالخلاص من هذه الجلسة التي جروه إليها جراً.

حين مضى حسان وعصام والعميد أمجد وأم علي، قال شجاع:

-         هيا يا فايز. الفودكا تنتظرك.

اعترضت نائلة:

-         لماذا لا تأتي بها إلى هنا يا شجاع، وأنا أحضّر لكم بعض المقبلات؟

قال فايز بابتهاج:

-         فكرة رائعة يا زوجتي الحبيبة. هيا يا شجاع، اجلب قنينتك المباركة وتعال بها إلى هنا. هل رأيت يا أخي فوائد الزواج؟ من أين ستأتي الأفكار الكبيرة إن لم يكن من هذه الرؤوس الصغيرة الجميلة؟

ابتسم شجاع وقال:

-         معك حق. سآتي بالفودكا ثم نتحدث بهذا الأمر.

فايز هو الجار الوحيد الذي أمكنه أن يعتبره صديقاً حقيقياً، فرغم أنه رجل تجاوز الأربعين من العمر، وطبيب ماهر، فإنه لا يتخلى أبداً عن تلك الدهشة الممتزجة بالبراءة، والتي تبدو طفولية بعض الشيء. إضافة إلى أن وجوده في البناء نفسه قد خفف عن شجاع الكثير من المتاعب. فبعد أن تحول شجاع من "الطبيب" إلى "الكاتب"، أصبح يميل لقضاء الوقت الأكبر مع الكتابة، ولولا فايز، لكان سيتم استدعاؤه من أجل كل حالة تعب أو إرهاق لأيٍّ من قاطني البناء. الآن، هم جميعاً يستنجدون بفايز من أجل مثل هذه الحالات، متحسرين في سرهم على ذلك المخبول الذي أخذ يهمل مهنة تدر ذهباً، من أجل أوراق لن يقرأها إلا بضعة مخبولين مثله. أما زوجة فايز، نائلة، فهي أفضل زوجة سبق لشجاع أن رآها في حياته، وبفضلها، بدا هذا البيت دائماً بيتاً مليئاً بالدفء والحس الشاعري المرهف، ورغم وجود الأولاد، ورغم وجود صعوبات مادية في حياتهما، فإن المرء لا يكاد يلمس وجود تأثير حقيقي لهذه الأشياء، التي اعتادت أن تتسبب بالنكد داخل الكثير من البيوت، على هذا البيت الجميل.

حين جمعتهم المائدة أخيراً حول زجاجة الفودكا وبعض المكسرات والمقبلات الخفيفة، رفع فايز كأسه ونظر إليه بشيء من الخشوع، وقال:

-         إيه. سقى الله أيامك يا موسكو.

قال شجاع:

-         في صحتك.

-         في صحتك.

أعاد فايز كأسه، ونظر إلى شجاع نظرة عميقة مركزة، وقال:

-         أيام موسكو أيام لا تنسى يا صديقي.

غمز شجاع نائلة قائلاً:

-         ما هذا يا نائلة؟ أرى أن زوجك يحن للشقراوات.

ضحكت نائلة قائلة:

-         وماذا أفعل؟ لن أصبغ شعري بالأشقر مهما كان الأمر.

قال فايز:

-         يا أخي هل جئت لتخربها بيني وبين زوجتي بزجاجة الفودكا هذه؟ إذا كان الأمر كذلك، خذها وارحل بها.

-                     يا الله.

قال شجاع ذلك وهو ينهض مبتسماً ويتناول الزجاجة، فأمسكه فايز صائحاً:

-         إلى أين؟ هل صدقت؟ كانت تلك مجرد دعابة.

ثم غمزه وهو يضيف:

-         مثل دعاباتك.

ضحك شجاع وقال:

-         تعني ثقيلة؟ يا أخي ليس هناك أثقل على القلب من الجلوس مع مثل هؤلاء البشر. معها حق الحاجة أم علي، يعجزون عن الاتفاق على أبسط الأمور. حسان يريد أن يستلم المسألة ليحصّل منها بضعة قروش كعادته، وأمجد لا يرغب بها من أجل حرسه، وتلبية متطلبات منزله التي لا تنتهي. أف. شيء ممل.

قال فايز:

-         معك حق. الحمد لله أن لديّ جاراً مثلك ليخفف من هذه البلوى.

-         وفوق ذلك تساهم حضرتك في جري إلى هذا الاجتماع، وبكل غباء أكافئك بزجاجة فودكا تثير لديك حنيناً وذكريات.

-         يا سيدي أنا آسف. لن أعيدها والله.

ضحكوا جميعاً، وكرع فايز ما تبقى في كأسه وأخذ يصب كأساً جديداً وهو يقول:

-         أية ذكريات يا أخي شجاع، أية ذكريات. موسكو مدينة لا تنسى.

ارتشف القليل من كأسه، وتابع قائلاً:

-         لكنني أتحدث عن موسكو التي رأيتها أيام دراستي، لا عن موسكو المافيات والرقيق الأبيض التي نسمع عنها الآن.

-         كانت تعجبك، هه؟

-         كانت تعجبني؟ كانت رائعة. عظمة إمبراطورية، مع شعب يعمل بكل إخلاص من أجل الاشتراكية والمساواة الكاملة، مع درجة من الأمان لم تبلغها مدينة أخرى في العالم. تصوّر، لو أن اثنين تشاجرا في الشارع لكان ذلك خبراً تكتبه الصحف بسبب ندرة المشاكل.

غمزه شجاع معترضاً:

-         إلى هذا الحد يا فايز؟

قال فايز بارتباك:

-         يعني ليس إلى هذا الحد تماماً. ربما كنت أبالغ بعض الشيء، لكنني أعني أنهم كانوا يعيشون في أمان لا مثيل له.

-         لكنني أنا الذي لم أدرس في موسكو مثلك ولم أعرفها، لا أعتقد أن الأمور كانت بالمثالية التي تصورها، وإلا لما هلل هؤلاء الذين تقول إنهم كانوا يعملون بإخلاص من أجل الاشتراكية، لرحيل هذه الاشتراكية.

-         نعم. نعم. لا شيء مثالياً. أنا شخصياً رغم حماسي لهم، كانت تعجبني فقط ربع الأشياء، أما الأرباع الثلاثة الباقية فقد كانت تنفرني وتستفزني. لكن الوضع القائم كان قاعدة لا بأس بها للتطور نحو اشتراكية أكثر عدالة ورخاء. كان المطلوب تطوير هذه القاعدة لا تحطيمها.

أشعل شجاع سيجارة، فمد فايز يده وسحبها منه وشرع بتدخينها، فقال شجاع مبتسماً:

-         ما هذا يا دكتور؟ ستخالف قواعد الطب أخيراً؟ ستبدأ في التدخين في هذا العمر؟ انتبهي يا نائلة، تدخين المراهقين ليس إلا مقدمة لأمور أخرى تعرفينها جيداً.

قال فايز متأففاً:

-         عاد ليخربها. هل كلما قدمت شيئاً تقاضيت ثمنه خراباً؟ كلها سيجارة، اطمئن، أنا لن أقتل نفسي بطريقتك المجنونة. ثم من أين أتيت بحكاية أن الناس تهلل للتغيير؟ هل أصبحت تتحدث مثلهم؟

فكر شجاع قليلاً ثم قال:

-         أنت تعرف أنني آخر من يمكن أن يتحدث مثلهم، وتعرف أكثر أن ذكرياتك تثير حنيني أنا أيضاً. لكنني مصرٌّ على أن الأمور كانت مليئة بالأخطاء، وإلا لما وصلت إلى هنا.

صاحت نائلة:

-         ما هذا؟ لماذا قلبتما الدنيا؟ هل هي كلها سياسة؟

قال فايز بحنان صادق:

-         معك حق يا حبيبتي. الذنب ذنبي. ذكرياتي هي السبب. أنا آسف.

سألها شجاع:

-         لكن أنتِ، لماذا لم تجلسي معنا لبحث الموضوع الخطير، موضوع الباب الحديدي؟

-         كنت سأجلس، لكن فايز قال لي إنها جلسة رجال.

التفت شجاع إلى فايز، وقال:

-         جلسة رجال؟ وأم علي؟

أجاب فايز:

-         إنها الوحيدة التي تثبت أن الجلسة جلسة رجال.

وفقع ضحكة عالية، أتبعها برشفة ضخمة من الفودكا.


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية