|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
-
الدكتور قتيبة مشهور،
دكتوراه في الفيزياء النووية.
تقدمتُ
مصافحاً، كانت يدي ترتجف. شعرت أنني لا أسيطر
عليها بشكل جيد، لكن يبدو أن هذا لم يكن
واضحاً للآخرين. أخيراً نجح الأمر، وإن كانت
الثواني التي استغرقها قد بدت لي ساعات.
صافحتُه قائلاً:
-
أهلاً دكتور قتيبة.
تشرفنا.
مد
الدكتور قتيبة يده، فيما كان أنور يواصل
التعريف:
-
الدكتور شجاع فارس.
شقيق سوسن.
-
تشرفنا دكتور شجاع.
رد
قتيبة مبتسماً بلباقة، مع قليل من دهشة لم
أفهم سببها. جلس الجميع: أنور وسوسن وقتيبة
وأنا. كنت تحت تأثير شعور قوي بالرهبة. كنت مأخوذاً. تساءلت في سري: "ما الذي
يجري؟ قتيبة؟ إياه؟"
قال
أنور مبتسماً:
-
طبعاً هذا التعريف
منقوص. كان عليَّ أن أقول "الدكتور سابقاً
شجاع فارس".
رد
قتيبة:
-
والروائي حالياً.
أليس كذلك؟
رفعت
حاجبيَّ باستغراب، لكن أنور سبقني إلى السؤال:
-
تعرفه؟
هز
قتيبة رأسه مؤكداً وهو يمد يده متناولاً كوب
العصير، وقال:
-
قرأت روايته.
قلت:
-
حقاً؟
-
حقاً. ولماذا تستغرب؟
ابتسمت
بارتباك، وقلت:
-
المسألة تثير
الاستغراب فعلاً. لم أكن أظن أن علماء
الفيزياء النووية يهتمون بالأدب إلى هذا الحد.
-
بالتأكيد. ليس جميعهم.
بل يمكن القول إن غالبيتهم العظمى قد لا تهتم
للأدب، لكن من ناحيتي، أنا مهتم جداً به.
قال
أنور:
-
ومع ذلك فالمسألة
غريبة. أنت لم تعد إلى دمشق إلا قبل شهرين،
ورواية شجاع صدرت منذ عام ونصف، كيف لحقت أن
تسمع به وتقرأ له؟
-
أنا لم أسمع به بعد
عودتي. لقد قرأت روايته حين كنت لا أزال في
فرنسا.
ضحك
أنور وقال مداعباً:
-
ما هذا يا شجاع؟ صيتك
وصل إلى فرنسا دون أن نعلم؟
ضحكنا.
سوسن أيضاً شاركت في الضحك. "عظيم. هناك
تحسن ملموس" فكرت وأنا أبذل جهدي لاستعادة
توازني بعد رهبة المواجهة الأولى مع شخص خيّل
إليَّ أنه قد يكون بطل روايتي متجسداً أمامي.
قال قتيبة:
-
أنت لم تعرفني جيداً
بعد يا أنور. لقد كنت أرسل في طلب كل جديد في
الأدب السوري، لكنني نادراً ما طلبت عملاً
ثانياً لروائي آخر. شجاع هو من القلائل الذين
قررتُ أن أبحث عن إنتاجهم اللاحق.
ابتسمت
بسعادة حقيقية، وقلت:
-
شكراً دكتور قتيبة.
شكراً.
-
العفو. لا شيء يستحق
الشكر. أنا لم أقل إلا الحقيقة.
نهض أنور،
وتناول أول أكواب العصير الفارغة ليهم
برفعها، لكن سوسن نهضت هي الأخرى وتناولتها
منه مشيرة إليه بعينيها أن يبقى مع ضيفيه.
ابتسم لها بمودة دون أن يتمكن من إخفاء دهشته.
عاد أنور للجلوس فيما كان قتيبة يتساءل:
-
لكن "الدكتور"
هذه جديدة عليَّ. دكتور في ماذا؟
أجبت:
-
طبيب.
-
وهل توقفت عن ممارسة
المهنة؟
-
لا. أبداً. لكنني لم
أعد أوليها كامل وقتي واهتمامي. صار الأدب
يشغل جل أوقاتي.
هز
قتيبة رأسه بطريقة تنم عن التفهم، لكنني لم
أفهم منها تماماً تعبيراً واضحاً عن امتداح
هذه الخطوة أو ذمها. قال أنور:
-
بالمناسبة شجاع، أنا
لم أتعرف إلى قتيبة إلا منذ شهر واحد، وبالرغم
من ذلك فهو أصبح من أقرب الأصدقاء إليَّ. هناك
أمور كثيرة جمعتنا. لا شك أنك ستسعد كثيراً،
أنت أيضاً، بمعرفته.
-
بالتأكيد.
أجبته
مبتسماً.
قال
قتيبة:
-
لكنه لم يخبرني بأنه
صهر الروائي شجاع فارس. يبدو أنه لا يحب
التباهي.
ضحكت
وقلت:
-
التباهي؟ شكراً على
المجاملة. بماذا سيتباهى؟ بروائي لم يسمع به
إلا بضع مئات رغم أنه يكتب بلغة يقرأها مئتا
مليون؟
فكر
قتيبة قليلاً ثم قال:
-
ليس هذا هو المهم، في
الوقت الحاضر على الأقل. المهم أنك تكتب
بطريقة ممتازة، ومن يقصدك سيعثر عليك.
قال
أنور:
-
هذا واضح تماماً ما
دام هناك من يرسل في طلب رواياتك إلى فرنسا.
هززت
رأسي بشيء من الأسى، وقلت:
-
أنا لا أتفق معك دكتور
قتيبة. ما المهم إذن؟ ربما على المرء أن يسأل
نفسه لماذا يكتب؟ ألست أكتب من أجل تحريك شيء
ما في نفوس قرائي؟ من أجل الدفع نحو غاية ما؟
كيف سأصل إلى ذلك إن ظل حال القراءة على ما هو
عليه؟ ما فائدة الصوت الذي لا يسمعه أحد؟
رد
قتيبة:
-
لا تكن متشائماً
أستاذ شجاع. الكثيرون سمعوا صوتك حتى الآن،
لكن الذين سيسمعونه في وقت آخر سيكونون أكثر
دون أي شك. صوتك محفوظ في مكان جيد جداً. في
أفضل الأماكن حسب اعتقادي. أمر مدهش أن تكون
موجوداً داخل كتاب. إنك بذلك تتخطى الزمن،
وتمنح نفسك فرصة مديدة عبر الزمن لأن يكون
صوتك مسموعاً جيداً.
جاءت
سوسن بفناجين القهوة ووزعتها وعادت إلى
الجلوس. أشعلت سيجارة وارتشفت القليل من
القهوة وقلت:
-
أنا لست متشائماً.
المتشائم لا يكتب أصلاً. حين ينعدم الأمل،
يفقد المرء الرغبة بعمل أي شيء، فما بالك
بالكتابة؟
رد
قتيبة:
-
عظيم. إذن عليكَ أن
تكفَّ عن التفكير بهذه الطريقة، وتخبرنا عما
تكتب الآن؟
"عنك".
نعم،
كادت الكلمة تفلت مني بهذا الشكل، لكنني
تداركت الأمر وقلت:
-
لم أبدأ بكتابة شيء
جديد بعد.
سأل
قتيبة باستغراب:
-
كل هذا الوقت؟ سنة
ونصف مرت على نشر روايتك، أي أنك كنتَ قد
أتممتها قبل ذلك بأشهر. سنتان دون أن تكتب
شيئاً؟ ما هذا الكسل؟
"ها! إنه
يمتلك روح الدعابة أيضاً"، قلت في سري وأنا
أضحك. أجبته:
-
أنا لم أقل إنني لم
أكتب شيئاً. لقد مزقت ثلاث محاولات روائية
خلال هذه الفترة.
هز
قتيبة رأسه قائلاً:
-
عظيم. المهم أن تكتب.
هذا يدل على أنك تطوّر أدواتِك بشكل جيد، ويدل
أيضاً على أنك تنقد نفسك بطريقة قاسية.
كنت
أتأمله خلال حديثه وأنا أتساءل بإلحاح أين
رأيتُه من قبل. نعم. بدا لي وجهه مألوفاً
كثيراً، لكنني لم أعثر في ذاكرتي على أية نقطة
ارتباط يمكنها أن تدلني على شيء أو مكان ما
يمكن أن يكون على علاقة به. بادرني هو قبل أن
أواصل محاولاتي:
-
لكن أتعرف يا شجاع،
أنا أشعر وكأننا التقينا من قبل. وجهك مألوف
تماماً بالنسبة لي.
ابتسمتُ
وقلت:
-
كنت أفكر بالأمر نفسه
تماماً. أنا أيضاً أشعر وكأنني أعرفك من قبل.
هل التقينا قبل الآن؟
-
لا أدري. لا أستطيع أن
أتذكر.
وخلال
محاولات التذكر اكتشفت أنه يبلغ الحادية
والثلاثين من عمره، أي أن تقديراتي كانت في
محلها بالنسبة لعمره، لكن هذا لم يفِد بشيء،
إذ لم يعد من المجدي تذكر المدارس التي درسنا
بها طالما أن الفرق بيننا خمس سنوات، أما
الأماكن التي نتحرك فيها فلم تقدم هي الأخرى
أية فائدة. قال قتيبة معلقاً:
-
يا سيدي لا يهم. ربما
لم نلتقِ من قبل على الإطلاق، لكن جميل أن
نشعر وكأننا فعلنا.
ابتسمتُ
مؤيداً، ثم دار حديث عادي قصير، فهمتُ من
خلاله مسروراً أن سوسن قد تخلت عن فكرة السفر
إلى الخليج، مرتكبة أول تنازل تقدم عليه في
حياتها، مما يدل دلالة طيبة على أن بعض
العواطف قد بدأت تأخذ طريقها إلى قلبها، أما
بعد أن غادر قتيبة، فقد كان لديَّ سؤال ملح
لأنور كان يشغل بالي. تساءلت إن كان قد أتى على
ذكر قتيبة أمامي. كنت أسأل نفسي إن كان قد تحدث
عنه بطريقة أوحت لي بخلق قتيبة الخاص بي
بالشكل الذي خلقته به، لكنه أكد أنه لم يفعل،
وأنه لم يتعرف إلى قتيبة إلا قبل شهر واحد،
وقد كان هذا كافياً تماماً لنفي ظنوني، لأنني
كنت قد بدأت بصياغة الخطوط العامة لهذه
الشخصية قبل زمن يزيد عن الشهرين.
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية