أطياف الشمس

القسم الأول: كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-1-

مد شجاع يده بصعوبة متناولاً سماعة الهاتف.

-         آلو. أين أنت؟ أحاول الاتصال بك منذ نصف ساعة.

استيقظت حواسه كلها على صوت سوسن، وسألها بلهفة:

-         أهلاً سوسن. ما أخبار قتيبة؟

-                     من قتيبة؟

-         قتيبة الـ...

لكنه تجمد تماماً. لقد أدرك الآن فقط أنه نام لعدد طويل جداً من الساعات. قال مستدركاً:

-         آه صحيح. أنتِ لا تعرفين قتيبة.

وتابع حديثه مع شقيقته، ليكتشف أن مشكلتها مع زوجها لم تحل بعد، بل تعقدت أكثر، وأنها بالتالي لم ترتكب التنازل الذي أمل به.

انتهت المكالمة، وألقى شجاع بنفسه على السرير ثانية. كان متعرقاً بغزارة شديدة، وكانت الدموع في عينيه لا تزال ندية.

هو حلم إذن.

ياه...

كل هذا حلم؟

ولكن، هل كان كله حلم نوم، أم أن بعضاً منه كان حلم يقظة؟

يا إلهي يا قتيبة.

لماذا تتصرف بطريقة مراوغة إلى هذا الحد؟ لماذا تكون حلماً؟

ثم لماذا تنهض جميلاً إلى هذا الحد، بهياً إلى هذا الحد، وفي النهاية تفاجئني بأن كل هذا ليس سوى حلم؟

نعم...حلم.

بينما الحقيقة لا تزال ملوثة بالغبار...

نعم. هناك جلبة كبيرة في البناء. يبدو أنهم بدأوا بتركيب الباب الحديدي، ويمكن بسهولة سماع مشادة حامية بين جارين سيشرب كل منهما القهوة بعد قليل عند جار آخر ليتحدث عن غريمه، ولا تزال الأزمة بين سون وأنور مستمرة.

كل شيء في مكانه إذن، وذلك الجمال كله لم يكن سوى حلم.

لكن عيني شجاع تجمدتا للحظات بينما هو يستعيد بعضاً من وقائع الحلم.

فكر للحظات، ثم نهض مسرعاً وأدار سماعة الهاتف.

-                     آلو.

-                     آلو

-         صباح الخير.

-         صباح النور.

-         هل يمكنني أن أتكلم مع الدكتور جمال لو سمحتِ؟

-         لحظة من فضلك.

وانتظر.

-                     آلو.

-         صباح الخير دكتور جمال.

-                     أهلاً.

-         أنا شجاع فارس.

-         أهلاً دكتور شجاع. أهلاً وسهلاً. كيف حالك؟

-         بخير. وأنت؟

-         الحمد لله.

-         دكتور، لديَّ سؤال بسيط.

-                     تفضل.

-         إذا رأى شخص ما نفسه في حلم، ولكنه لم يستطع التعرف إلى نفسه، هل يمكن اعتباره مجنوناً؟

ضحك الدكتور جمال، وقال:

-         لماذا تسأل؟

-         أجبني فقط. الأمر يهمني إلى أبعد الحدود.

-         لكن قل لي، هل كان الشخص نفسه مشاركاً في الحلم؟

-         ماذا تقصد؟

-         أقصد هل كان موجوداً في حالة تعرف فيها إلى نفسه، وفي نسخة أخرى لم يتعرف فيها إلى نفسه؟

تنبهت حواس شجاع. إنه يتحدث وكأنه يذكر حالة معروفة تمثل تشخيصاً لمرض ما. أجاب:

-                     نعم.

همهم الدكتور جمال وقال:

-         الأمر معقد إذن.

-                     ماذا؟

ضحك الدكتور جمال، وقال:

-         لا. لا تقلق. كنت أداعبك وحسب. الأمر عادي جداً.

-                     فعلاً؟

-         فعلاً. لا تخشَ شيئاً. أنت في أحسن أحوالك.

 

ولكن كيف؟

كيف لم أميز أن قتيبة كان في الحلم يحمل وجهي نفسه؟

أمتلك تبريراً صغيراً: فهو في الواقع كان يحمل وجهي حين كنت في الثلاثين، أو...ها. هذه هي. في الحادية والثلاثين من عمري. مثله تماماً. في حينها كنت حليق الشاربين، بدون نظارات طبية، وبطريقة تصفيف شعر مختلفة، وبدون الكثير من الشيب.

لكنه تبرير سخيف.

ألن أعرف صورتي في ذلك الزمن فيما لو عُرضت عليَّ الآن؟ لم أتغير إلى حد كبير في جميع الأحوال.

حسناً. عليَّ ألا أعقد الأمور إلى هذا الحد، فهذا في النهاية ليس أكثر من حلم.

حلم...

إلى متى سترافق هذه الكلمة حياتي؟

إلى متى سيبقى كل شيء جميل بهي، مجرد حلم؟

إلى متى ستبقين كذلك...نجوى؟


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية