|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
ها
ها أيها الخبيث. أنت موجود على أرض الواقع إذن.
أنت رجل من لحم ودم، ولستَ بعد مجرد شخصية
روائية أشكلها كما يحلو لي. مبروك عليك يا
سيدي. هذا حدث شبيه بالاستقلال. أنت الآن كائن
مستقل عني بعد أن رزحتَ تحت استعماري قرابة
الشهرين.
لكن
هل أنتَ فعلاً هو؟ اسمع: أنت تشبهه كثيراً: رجل
علم، في الحادية والثلاثين من عمره، عائد
للتو من دراسته في الخارج. أليست هذه بعض
الصفات التي نفختُها فيك؟ ثم الاسم. قلتُ لك
سابقاً إنه من الصعب جداً أن تعثر في المكان
نفسه على أكثر من قتيبة واحد. صحيح أنه لا يمكن
اعتبار المكان واحداً، ما بين مخيلتي
الروائية وبين منزل سوسن وأنور، إلا أنني
أستطيع أن أضيف بأنه من النادر أن يواجه المرء
في حياته كلها أكثر من قتيبة واحد، هذا إن كان
سعيد الحظ إلى درجة أن يواجه واحداً فقط!
هذه
النقاط تؤكد أنك هو، ولكن ماذا عن الباقي؟
لا!
لستَ هو بالتأكيد. أنت تتساءل عن السبب الذي
يجعل الأدب موجوداً، أما هو، فإنه أفضل منك
بكثير من هذه الناحية، بل أفضل من بعض الذين
يعملون بالأدب. إنه يرسل من غربته في طلب
الأسماء الشابة في الأدب السوري. انتبهتَ
جيداً؟ إنه لا يبحث فقط عن الأسماء العملاقة،
أو الأعمال التي سبق ونالت الشهرة. لا. إنه
يريد أن يكتشف بنفسه، ويمتلك الوقت والصبر
لكي يقرأ رواية قد تُثبت في النهاية أنها لا
تساوي ثمن الورق الذي كُتبت عليه.
ثم
إنه يمتلك روح الدعابة، فها هو منذ اللقاء
الأول يرفع الكلفة ويناديني بـ "شجاع"
مسقطاً العديد من الحواجز، ثم يسألني ببساطة
قائلاً: "ما هذا الكسل؟"
صحيح
أنني لم أتحدث عن روح الدعابة الخاصة بك، ولا
عن التزامك بالرسميات، لكن ما قلتُه عنك حتى
الآن يكفي لإعطاء فكرة عن وجه شديد الجدية،
لكي لا أقول إنه متجهم، وعن رجل لا تسقط منه
كلمات :أستاذ" و"سيدتي" و"دكتور"
إلا مع أهل بيته.
إذن
أجبني بحق الله: هل أنت هو أم لا؟
لكن...لكن...لماذا
أسأل نفسي هذا السؤال بهذه الطريقة؟ الأمر
عائد لي لتقريره. نعم. إذن اسمع يا قتيبة.
جوابي هو: نعم. نعم أنت هو. بالأحرى: نعم،
سأجعلك "هو". لن أقول إذن جملة مثل: "أنت
لا تحب الأدب أما هو فيعشقه"، بل سأقول: "أنت
تعشق الأدب إذن! هذا مختلف عما توقعته عنك"
يبدو
الأمر لي طريفاً. شخصياتي تنهض من الورق إذن
وتصافحني متحدثة إليَّ بندية تامة، بل إنها
لا تتورع عن انتقادي واتهامي بالكسل.
لا
تفهم أن الأمر يشعرني بالإحباط. بالعكس. عليك
أن تعلم يا صديقي أنني سعيد جداً بتحررك. سعيد
جداً بخروجك من حبري وورقي إلى الحياة
الحقيقة. أنت ستمنحني فرصة هائلة بعد الآن لكي
أختبر ردود أفعالك بشكل غير افتراضي. المهم
ألا تخيّب أملي. لا تنسَ أبداً أن أصل وجودك هو
رواية. عليك أن تتحرك وتعيش بطريقة تجعل هذه
الرواية جديرة بأن تُكتب. لا أريد أبداً أن
أسمع عن موظف يخرج صباحاً ويعود ظهراً ثم يمضي
وقته في الدردشة والتفرج على التلفزيون، ثم
يتزوج وينجب أطفالاً ويعيش حياة بسيطة بلا
تعقيدات أو عقبات. لن أقبل بأمر كهذا على
الإطلاق. عليك أن تعيش ملحمة ما، وإلا فإن
عملي مهدد تماماً. عليكَ أن تعيش مأساة، أو
قضية كبيرة. دعنا نتحدث عن هذه الأخيرة، فمن
غير الإنساني بعد أن أصبحتَ أنت إنسانياً
بشكل تام، أن أتمنى لك المأساة. القضية إذن. ما
هي قضيتك يا قتيبة؟ ما هي؟
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية