|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
حين جلس
شجاع قبالة الأستاذ قصي، صاحب دار السعادة
للنشر، بادره هذا قائلاً:
-
شرفتنا أستاذ شجاع.
أنا سعيد جداً بهذه الزيارة.
ابتسم
شجاع وقال:
-
شكراً أستاذ قصي.
-
أتعرف؟ كنت أود منذ
زمن طويل أن ألتقي بك لأعبر لك عن مدى إعجابي
بروايتك الأولى. إنها مبشرة تماماً. صحيح أن
المرء يستطيع أن يسجل عليها عدداً من
الملاحظات، إلا أنني واحد من الناس الذين
يتعاملون مع عمل أدبي ما ككل، وطالما أنه
متميز كعمل كامل، فلا توجد ضرورة للتوقف عند
كل جملة أو كلمة فيه لمحاكمتها.
ابتسم
شجاع، مع قليل من الخيبة، وقال:
-
يسعدني أن أسمع ذلك من
ناشر له باع طويل في التعامل مع الأدب.
جاء
موظف بفنجاني قهوة، فتناول شجاع فنجانه،
وأشعل سيجارة، فيما كان الأستاذ قصي يقول:
-
ربما قرأتَ في الصحف
عن المسابقة التي أعلنّا عنها.
-
نعم، بالطبع.
-
نحن نريد أن نعرض
النصوص التي تردنا على سبعة من الأدباء
السوريين يشكلون لجنة التحكيم، وسنكون
مسرورين إن قبلتَ أن تكون واحداً منهم.
ابتسم
شجاع وقال:
-
أرجو ألا تتعامل معي
بهذه الطريقة أستاذ قصي. تكاد تصيبني بغرور
قاتل. أنا من عليه أن يكون سعيداً بكونه عضواً
في لجنة تحكيم أدبية.
-
حسناً. هذا تواضع يليق
بك.
-
المهم أستاذ قصي، أود
أن أعرف المعيار الذي وضعتموه لتقييم هذه
الأعمال.
فكر
الأستاذ قصي قليلاً، ثم قال:
-
المعيار الوحيد هو
الالتزام.
ارتشف
شجاع القليل من القهوة، ثم نظر إلى الأستاذ
قصي بشيء من الخجل، وسأل:
-
الالتزام ... الالتزام
بماذا، لو سمحت؟
نظر
قصي إليه بدهشة، وابتسم هو الآخر ابتسامة
تحمل شيئاً من اللوم، وقال:
-
ماذا تعني أستاذ شجاع
بهذا السؤال؟ هل يحتاج الالتزام إلى تعريف؟
بطريقته
الدائمة، التي تحسب حساباً كبيراً لمشاعر
الطرف الآخر، قال شجاع بشيء من الارتباك:
-
يعني ... أقصد أنني أريد
أن أفهم نوعية القضايا التي تريدون من
المتقدمين للمسابقة أن يلتزموا بها.
قال
قصي ببعض الحدة:
-
أعترف بأنني لا أفهمك
أستاذ شجاع. ولو لم تكن روايتك الأولى مثالاً
ناصعاً على الالتزام بقضايا الوطن، لقلت إنك
واحد من هؤلاء الذين يروجون لأدب لا معنى له،
أدب ذاتي بحت، أو غزلي بحت، أو ربما لكتابة لا
هدف لها إلا استعراض القدرات اللغوية
والجمالية.
شعر
شجاع بشيء من الحرج. ها هو ذا يقف أمام هرم من
أهرام النقد، ليجادل بطريقة قد توحي بالغرور
المبالغ به. لكنه رغم ذلك كان مدفوعاً بطريقة
لا تُقاوم لمناقشة الأمر. قال:
-
أرجو ألا تسيء فهمي
أستاذ قصي. أنا مجرد رجل هاوٍ في مجال الأدب،
ولا أمتلك خبرة واسعة في النقد، أو في المذاهب
الأدبية المختلفة. أعرف تماماً مكانتك في هذه
المجالات، لذلك أشعر أن مناقشتي لك فيها
تنطوي على شيء من الوقاحة
قاطعه
قصي بتسامح صادق:
-
معاذ الله أستاذ شجاع.
بالعكس تماماً. أنا سعيد بهذه المناقشة.
ابتسم
شجاع، وقال بثقة:
-
حسناً. أستطيع أن أفهم
الالتزام بأنه التزام بالقضايا الوطنية
والاجتماعية، وبثابتنا الوطني الرئيس في
صراعنا مع الصهيونية.
هز
قصي رأسه مؤكداً، فتابع شجاع:
-
لكنني رغم ذلك أنفر من
نوعية من الأدب تكاد تتحول إلى بيانات سياسية
دعائية.
قال
قصي:
-
وأنا أيضاً.
-
حسناً. يبدو أننا
متفقان، ولكن، لأوضح أكثر، بما أنك ذكرتَ
الأدب الغزلي والذاتي. أريد أن أقول إنني أشعر
بنفسي أقوى في جميع المجالات، بما فيها
مقارعة الأعداء، بعد الاستماع إلى قصيدة
غزلية لنزار، أو إلى أغنية حب جميلة لفيروز،
أكثر مما لو سمعت "خبطة قدمكم عالأرض هدارة"
قطب
قصي حاجبيه بشيء من عدم الرضى، فأعاد شجاع إلى
حالة الارتباك:
-
أنا أحب "خبطة
قدمكم" كثيراً، كما أحب كل قصيدة أو رواية
تتغنى بالوطن، لكنني أطلب من العمل الفني أن
يكون جميلاً أولاً، وملتزماً ثانياً.
رد
قصي:
-
أنت تتحدث عن بديهيات
أستاذ شجاع. أنت تقول "عمل فني"، لكن أيُّ
شيء يستحق هذا الاسم إن لم يكن جميلاً؟
قال
شجاع:
-
أشكرك على حسن فهمك لي
أستاذ قصي. لقد قلتُ ما قلتُه لسبب واحد فقط،
وهو أنني ألاحظ أن بعض الأعمال تنال الكثير من
التقريظ، والبعض الآخر بالمقابل يُحط به إلى
أسفل السافلين، بناء على معيار وحيد، هو
الموقف السياسي للكاتب.
اعترض
قصي:
-
لا أظن أنك تريدني أن
أمتدح أعمالاً تروج للتطبيع على سبيل المثال؟
هز
شجاع رأسه نافياً بشدة وهو يقول:
-
نهائياً. هذا ليس
موقفاً سياسياً أصلاً. أنا أعني المواقف
السياسية المختلفة، والتي تُجمع، رغم
اختلافها، على المصلحة الوطنية، أما تلك التي
تصب في خانة انهزامية، فإنني لا أقبل أن أروج
لها على الإطلاق، حتى لو كنتُ أستطيع العثور
فيها على أدب جميل.
قال
قصي بعد تفكير قصير:
-
أوافقك، باستثناء
فكرتك حول إمكانية العثور على أدب جميل في عمل
انهزامي. هذا يتوقف على تعريف الجمال. بالنسبة
لي، العمل الأدبي فكر ولغة، ولا أستطيع أن
أسمي عملاً ما جميلاً إلا إذا تمتع بالجمال من
الناحيتين. لا يعنيني استخدام لغة جميلة
للترويج لفكر خبيث.
هز
شجاع رأسه مؤكداً وهو يقول:
-
تماماً، وهذا هو
السبب الذي دفعني للقول بأنني لا أقبل
الترويج لهذه النوعية من الأعمال. يسعدني
أننا متفقان.
ابتسم
قصي بطريقة أبوية، وقال:
-
بالتأكيد أستاذ شجاع.
بالتأكيد.
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية