أطياف الشمس

القسم الأول:   كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-2-

الأوراق والقلم وبعض الأفكار، ثم فنجان القهوة والوحدة، وشجاع يذرع أرض الغرفة جيئة وذهاباً وهو يفكر بعمق، وبعصبية أحياناً، ويتكلم عن أفكاره بصوت مرتفع في بعض اللحظات.

"البداية ليست سهلة على الإطلاق. لقد قررت أنني سأكتب هذه المرة عن دمشق. لم يحن وقتكِ يا نجوى. أنا متأكد. ستكون لكِ روايتي الأجمل، أما الآن فأريد أن أكتب عن دمشق. دمشق البشر والأحاسيس والزفرات والأفراح والاحتمالات، ولكن لا بد من مزيد من التحديد. الراوي شاب في مقتبل العمر تخرج حديثاً من كلية الهندسة، وبتفوق، ولديه خبرة في الكمبيوتر، ومعرفة طليقة باللغة الإنكليزية، وطموح لا ينتهي. إنه ابن العصر إذن. يشبه، تقريباً يعني، ابن جاري حسان. إنه...إنه..."

اتجه فوراً إلى مقعده، وخطَّ بعض الكلمات. نهض مجدداً وأخذ يسير، ثم أشعل سيجارة، وتناول الورقة التي بدأ بالكتابة عليها، وأخذ يقرأها بتمعن، ثم مزقها بعصبية.

"حسناً، الراوي، ولنسمه قتيبة، هو ابن هذا العصر بامتياز، وهو يعيش تناقضاً لا حد له بين انتمائه بكل كيانه إلى العصر، وبين انكفاء مدينته العتيقة إلى الماضي. إنه ليس سيئاً بحال من الأحوال، بالعكس، فإن لديه الكثير من النوايا الطيبة، وبشكل ما يشعر بأنه أحد المنذورين لمصالحة مدينته مع العصر. ربما جعله هذا يتصرف ببعض الترفع، لكنه ليس ترفعاً يستمد وجوده من إحساس بدونية المقابلين له، بل من رغبته في الارتقاء بهم، حسب تصوره طبعاً، إلى آفاق جديدة، وثقته في المقابل أنه قد اخترق هذه الآفاق منذ زمن بعيد"

"جميل جداً، ولإيجاد أسباب الصدام الحاد بين قتيبة والمدينة، لا بد من جعل قتيبة نقيضاً لها إلى أبعد حد ممكن. مثلاً، يمكن القول إنه شاب عقلاني إلى درجة كبيرة، يضع العواطف في السلم الأخير من اهتماماته، ويركز انتباهه على العلم والعمل. هذا الشاب، لو قلتَ له إن المنتخب الوطني لكرة القدم قد خسر للتو مباراته مع الفريق المنافس رغم أنه هاجم بشكل رائع على مدى تسعين دقيقة، ثم اقتنص الخصوم فرصة واحدة وفازوا، فأنت ستقول ذلك – على الأرجح – والدمع يكاد يطفر من عينيك، أما هو فسيصدمك ببروده. إنه سيكتفي بأن يهز كتفيه باستخفاف ويقول: لكنهم يستحقون الفوز. ستدهش أنت، وستعترض سائلاً: لكن، هل شاهدت المباراة؟، وسيرد هو ببساطة: أبداً، لكن الفائز دوماً يستحق الفوز، مهما كان عدد الفرص التي استفاد منها ضئيلاً، والخاسر دوماً يستحق الخسارة مهما لعب وأجاد"

"يا لها من عقلية باردة تلك التي يمتلكها هذا الشاب الذي أوشك على أن أمنحه الحياة على الورق. إنه لا يعجبني كثيراً، أو إنني لم أكن لأحبه لو تجسد أمامي، أما نجوى، فإنها لم تكن لتطيقه، لكنه بطلي، ولا بد أن أتصرف إزاءه بنزاهة مهما كان موقفي العاطفي تجاهه"

"قل لقتيبة إننا خسرنا حروبنا مع إسرائيل بسبب المؤامرات الدولية، عندئذ ستلقى ما لا يسرك. فهو سيحدجك دون شك بنظرة استنكار هائلة، ويجيبك، ساخراً بعض الشيء: هل أنت جاد؟ وعندما تؤكد له أنك جاد، سيضحك واحدة من ضحكاته النادرة، ويقول: إذن الحق ليس علينا، بل على المؤامرات التي حاكها آخرون أشرار ضدنا. ستستفزك سخريته، وستصرخ بعصبية: نحن مسؤولون بالتأكيد، ولكن الإمبريالية... عند هذا الحد، لن يدعك تتم حديثك، بل سيقول بانفعال، نادر هو الآخر: افهموها يا بني، حين تكون قوياً، لن تنال منك مؤامرات العالم كله، وحين تكون ضعيفاً، فأنت مهزوم، بمؤامرات وبدونها"

جلس، وسجل بعض الملاحظات التي توصل إليها حول شخصية قتيبة، ثم صبَّ فنجاناً آخر من القهوة، وعاد يتمشى.

"عجيب هذا الشاب. لو جرّك نقاش ما معه لأن تقول كلمة مثل: إن الأوطان تبنى بالدموع والآلام، لقطب حاجبيه قليلاً، ثم أجابك بكلمة واحدة حاسمة: لا. وبما أنك كنت تظن أنك قد قلت حقيقة مسلماً بصحتها، فإنك ستجادل، أو ستسأل: كيف لا؟ وعندها سيتخذ هو مظهر الحكيم، وسيجيبك دون تردد: لأن الأوطان تبنى بالعلم والعمل، أما الدموع، فدعها للضعفاء الذين لن تستطيع بهم أن تبني مجرد حارة"

قتيبة إذن، قد بدأ يتخلق في مخيلة الكاتب، وها هي صفاته تأخذ بالاتضاح شيئاً فشيئاً. الشاب المنتسب بكل كيانه إلى عالم العقل، غير المعترف بجدوى أي عالم سواه، والمنتمي بقوة إلى الحضارة العلمية الحديثة، مبتعداً ما أمكنه عن أمجاد الماضي وعبق التراث.

"هه. كم سيكون طريفاً لو جرب المرء أن يحدّث قتيبة عن التاريخ، مؤكداً له أننا كنا ذوي أمجاد ومكارم. عندها، سيداري عدم خبرته بالموضوع، لأنه لم يقرأ ما يكفي عن الماضي، بجواب يطرحه كسؤال: وما أهمية ذلك؟ ستصل دهشتك، بهذا الجواب، إلى أقصاها، وستقول بعصبية: حتى هذه؟ حتى التاريخ تريد أن تشكك به؟ ربما سايرك قليلاً، وأجاب موضحاً بلطف: أنا لا أشكك. لدينا تاريخ هائل، لكنني أسأل، ما أهمية الحديث عن ذلك الآن؟ ما يهمنا الآن هو المستقبل، أن نخرج من هذا السكون المخيف الذي يلف حياتنا، وننضم إلى أولئك الذين يعملون. هذا فقط ما يضمن لنا مكاناً في المستقبل، أما الماضي، فلن يفيدنا بشيء التحسر عليه"

دق جرس الباب قاطعاً عليه أفكاره. اتجه نحوه منزعجاً، وهو يتمتم بكلمات فحواها التأفف من معاناة المبدع من هذه المقاطعات المزعجة. كان بالباب الدكتور فايز، الذي بادره صائحاً:

-         بالبيجاما؟ الساعة الآن السابعة والربع يا أستاذ. نحن ننتظرك منذ ربع ساعة، وحضرة جنابك لا تزال بالبيجاما؟

نفض شجاع رأسه بشدة، ونظر إلى الساعة. إنها فعلاً السابعة والربع، لكنه نظر إلى فايز قائلاً:

-         تنتظرونني من أجل ماذا؟ ثم من أنتم؟

رفع فايز حاجبيه بدهشة تكاد تلازمه، وصاح:

-         يا حبيبي! أخونا شجاع، أين أنت؟ هل تعيش في هذا العالم، أم في...

ثم حانت منه نظرة إلى الأوراق، فقال:

-         فهمت الآن. أنت تكتب. أنت إذن في ذلك العالم.

قالها مشيراً إلى الأوراق، فابتسم شجاع قائلاً:

-         بالضبط. ها قد فهمتَ أخيراً، رغم ندرة حدوث ذلك. أما أنا فلم أفهم ماذا تريد؟

-         يا شجاع، يا شجاع، الخالة أم علي...

خبط شجاع على جبينه، وقد تذكر الاجتماع الذي دعته إليه أم علي، وقال:

-         يا إلهي. نسيت.

-         نسيت؟ أريد أن أعرف فقط كم مرة في اليوم تستعمل كلمة "نسيت" هذه.

قال شجاع برجاء:

-         أنا آسف يا فايز. اعتذر لهم نيابة عني. لن أستطيع...

صاح فايز وهو يجره من يده:

-         لن تستطيع ماذا يا أستاذ؟ ستتركني معهم لوحدي؟ لا يمكن. ستأتي إن كنت تستطيع أو...

قاطعه شجاع متخلصاً من يده وهو يبتسم قائلاً:

-         طيب. طيب. خلص. سألبس وألحق بك حالاً، لكنك مسؤول أمام التاريخ عن مقاطعة مبدع كبير عن عمله في رواية خالدة.

ضحك فايز ساخراً وقال بنبرة مسرحية وهو ينظر إلى الأعلى:

-         لا تؤاخذني أيها التاريخ، ولتغفري لي يا آلهة الفن والأدب.

ثم نظر إلى شجاع قائلاً:

-         هيا. هيا. معك خمس دقائق فقط. مفهوم؟

-         حاضر يا سيدي.


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية