أطياف الشمس

القسم الأول: كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-5-

نجوى؟!

نجوى أيضاً؟!

في اللحظات الأولى، حين كنت أهبط السلالم خلفه تماماً، أخذت أنظر إليه بكراهية. لقد تسبب بانهيارين كبيرين في لحظة واحدة: نحن الآن غريمان، نتقاسم حب امرأة واحدة، ثم، ها هو يدمر روايتي تماماً، ويكاد يحولها إلى سيناريو فيلم يصلح لأيام السينما الأولى.

نحن الآن غريمان نتقاسم حب امرأة واحدة:

هذا واضح. لا يحتاج إلى أي تفسير. كلانا نحب نجوى. كلانا نشاطر حياتنا ذكرى امرأة اسمها نجوى. أستطيع الآن أن أتذكر أمراً: حين أخبرتُ نادر، ذلك الصديق الذي التقيتُ نجوى للمرة الأولى في بيته، بأنني أحب نجوى، قال لي:

-         معك حق. نصف الأصدقاء والجيران على الأقل مهتم بها.

ثم أضاف:

-         لي صديق، ربما تعرفه، مهتم جداً بها.

وذكر لي اسمه. لم أعد أذكر هذا الاسم. كان اسماً غريباً ونادراً هو الآخر. هل كان قتيبة؟ لا. لا أظن. كنت سأذكر لو كان الأمر كذلك. يومها شعرتُ بضراوة المهمة. كنتُ أطرق باب الحب دون أن أكون متأكداً من أنني أملك مفاتيحه. لم أكن، على الإطلاق، قد خبرتُ عالم المرأة، ونصف الأصدقاء والجيران هؤلاء، ألن يكون بينهم بعضٌ – على أقل تقدير – ممن يعرفون التجول في عالم الأنثى، أفضل بكثير مما أستطيع أن أفعل؟

كان هذا فيما مضى، أما الآن، فها هو واحد منهم أمامي وجهاً لوجه. واحد من هذا النصف، أو من نصف آخر لمجموعة بشرية أخرى تحركت فيها نجوى.

ولكن مهلاً: "غريمان نتقاسم حب امرأة واحدة؟". لا. لا يبدو هذا دقيقاً. نجوى الآن ليست هنا. نجوى لم تعد، بالنسبة لكلينا، امرأة، بل غدت ذكرى. كنا سنكون غريمين فعلاً، لو التقينا في تلك الأيام. كنت سأمتلك الاستعداد الكامل لتحطيمه لو حدث ذلك، أما الآن...ماذا؟ ما الاسم الذي يمكن أن أطلقه على وضع كهذا؟ نحن نتقاسم الطيف نفسه، الذكرى نفسها، أو...نعم. بالضبط هكذا: نحن نتقاسم الأيقونة نفسها. إذن، ويا للنتيجة المدهشة، نحن نتبع مذهباً واحداً. عليَّ أن أحبه إذن. بالضبط: ألم أقل دائماً إنني أمتلك موقفاً عدائياً شديداً تجاه كل من يمكن أن يلتقي بالجمال دون أن يحتفي به؟ هو ذا رجل يحتفي بالجمال بطريقة ممتازة. هو ذا رجل تتملكه روح نجوى. نتيجة رائعة إذن.

لكن مهلاً مرة أخرى. ثمة تفصيل صغير. إنه يمتلك صورتها. هل أستطيع أن أنسى ذلك الإصرار العجيب على الرفض الذي كانت تجابهني به كلما طلبتُ منها أن تهبني صورتها؟ إذن لماذا تهبها له؟ لماذا يا نجوى؟

إذن: "لماذا يا نجوى؟" وليس: "لماذا يا قتيبة؟". العتاب موجه إلى نجوى في هذه الحالة، أما قتيبة، فلا ذنب له في ذلك. عظيم. وإن كنتُ لا أستطيع إلا أن ألومه على هذا الافتقار الشديد إلى الحرص. كيف يعرض عليَّ صورتها بهذه البساطة؟ هل يعلم، هذا العاشق المدعي، ما الذي كنتُ سأفعله أنا لو كنت أحتفظ بصورة لنجوى؟ كنتُ سأحجبها عن جميع الأعين. كنتُ سأخبئها كنزاً ثميناً خاصاً لا يحق لعين بشرية أن تراه سواي.

المهم: ها قد تخلصت من واحد من الانهيارين، كما سميتهما، بعد أن أنجزنا هبوط نصف السلالم. أمتلك بعض الوقت لمعالجة الآخر إذن.

هو يدمر روايتي تماماً، ويكاد يحولها إلى سيناريو فيلم يصلح لأيام السينما الأولى:

لا! هذه أمرها أكثر سهولة بكثير. من قال أصلاً إن لقائي بصورة نجوى في بيته هو البداية المناسبة للملحمة، أو للقضية، أو للمأساة التي على قتيبة أن يعيشها؟ مستحيل. بل أية سخرية؟ هل سأكتب أنا، أنا بنفسي، عن حب قتيبة للمرأة التي اعتزمتُ أن أكتب لها رواية العمر؟ كيف يكون ذلك؟ أفرّط، بهذه السهولة، بدرة إنتاجي الأدبي؟ أفرّط برسالتي إليها؟ وبطريقة على هذه الدرجة من الابتذال؟ بالكتابة عن حب رجل آخر لها؟

أو...أو ربما عن حبها هي له؟

لا! مستحيل آخر. هكذا، دون أي سبب منطقي، سأجزم بأن هذا مستحيل. لن أستطيع مواصلة البحث عن ملحمة بطلي إن لم أفعل.

وبالفعل: لن تكون نجوى ملحمته. ما هي إذن؟ هاكم إياها:


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية