|
أطياف الشمس القسم الأول: كُن 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 القسم الثاني: فكان 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 PDF VERSION (complete) |
يستيقظ،
شجاع بعد حلم بنجوى، ليجد روحه أكثر خفة، حتى
إنه شعر بحركتها بين ضلوعه، وسمع حفيف
أجنحتها وهي ترتطم بقلبه، فتشعل فيه الحنين.
لا
يرغب بمغادرة السرير. يتمسك به وكأنه يتمسك،
بهذه الطريقة، بوقائع الحلم. لا يريدها أن
تفلت منه، ويسمع من مكانه هدير أمواج بحرية.
أهذا هو الصوت الذي تسمعه هي، حين تستيقظ
هناك، في "بيتها المضوي عالبحر".
رآها
مرتدية فستاناً أبيض اللون. لطالما قال لها إن
الأبيض يناسبها. كل شيء، في الحقيقة،
يناسبها، لكنه كان يشعر أن الأبيض يعكس نقاء
روحها بالشكل الأنصع. كانا يقفان في مكان لم
يستطع تمييزه، لكنه مكان مزدحم بالأضواء
والناس. كان يبدو مذهولاً بلقائها. قال لها
إنه يريد أن يراها على انفراد، فابتسمت تلك
الابتسامة الآسرة نفسها، وفكرت قليلاً، ثم
هزت رأسها موافقة. هرب منها للحظات إلى مكان
قريب. كان منفعلاً بشدة، وأراد أن يهدأ قليلاً
قبل أن ينفرد بها. حين عاد إليها، وجدها أكثر
تألقاً. كانت الأضواء الباذخة في هذا المكان
الغريب، تترك الجميع، وتنعكس على وجهها
وحدها، رغم أن وجهها لم يكن ليحتاج لأي نور
خارجي حتى يبدو مشعاً متألقاً. غادرا المكان،
وهو ينظر إليها طيلة الوقت، غير مصدق أنها معه
مرة أخرى، وأخذا يسيران في شوارع لا يعرفها
دون أن يتبادلا أية كلمة، لكنه مدَّ يده،
ولامس يدها بتردد، فأبعدت يدها بسرعة، ونظرت
إليه نظرة تأنيب مبتسمة. انقطع المشهد فجأة،
ليجد أنهما أصبحا في مكان مكشوف، شارع أو حقل
أو حديقة، لم يكن الأمر واضحاً تماماً، لكنه
كان متمدداً على مقعد حجري، وكانت هي جالسة
قربه. كان هناك أناس كثيرون يمرون، لكنهم لم
ينظروا إليهما. "هل كنا مجرد روحين، طيفين،
حتى استطعنا أن نتجنب العيون المتطفلة؟"
كان الآن يمسك بكلتا يديها، يقبل أصابعهما
واحداً واحداً، فتعود إليه رائحة عتيقة
عتيقة، لا يدري متى عرفها، لكن ذلك كان
بالتأكيد في السنوات الأولى من عمره، وتظل
هذه الرائحة تعاوده كلما حلّقت روحه إلى
الأقاصي العليا. كانت تنظر إليه وهو يقبّل
أصابعها بهذا الشغف، وتبتسم بتلك الطريقة
التي تغسله غسلاً بأمطار من حنان. ثم انحنت
قليلاً، وأسندت رأسها إلى صدره، وقالت:
-
أبعد كل هذه السنوات؟
"هو
صوتها أخيراً إذن. ذلك الصوت الذي سمعته مرات
دافئاً عذباً، وسمعته مرات أخرى قاسياً
حاسماً، يأتيني الآن وهو يذوب حباً"
مدَّ
يديه، وأخذ يتخلل شعرها بأصابعه، ثم رفع
رأسها قليلاً. كانت عيناها دامعتين. قالت:
-
أتعرف؟
نظر
إليها متسائلاً دون أن ينطق، فهمست:
-
أحبك.
في
تلك اللحظة، استيقظ مباشرة. المألوف بالنسبة
له، أن يستيقظ بصعوبة بالغة، أما اليوم، فقد
استيقظت حواسه كلها دفعة واحدة، وكأن يداً
حبيبة كانت تربت على كتفه لإيقاظه. كانت كل
ذرة من هواء الغرفة تردد تلك الكلمة: "أحبك".
تمسك بالوسادة، وبشرشف السرير، محاولاً
التمسك بتلك السكينة، تلك النشوة، التي
اجتاحت روحه.
"أبعد
نجوى يكون لا جدوى؟ أتكون عينا نجوى في هذا
العالم ثم أقول:عبث. باطل الأباطيل! كم عليَّ
أن أكون متجمد الإحساس حتى أفعل ذلك"
"لعينيكِ كل حياتي وأعمالي، لعينيكِ كل صلاتي وإيماني، ففي عينيكِ وحدهما، تكمن كل آلهتي"
ينهض
أخيراً، ويتجه إلى الدرج الذي يضع فيه أشرطته.
يبحث عن واحد بعينه، وينسفح الصوت الملائكي
القادم من العلا، ويعانق ذرات هواء الغرفة
التي تحمل كل واحدة منها صورتها، وصدى كلمتها
الأخيرة في ذلك الحلم الذي ودَّ لو لا ينتهي:
يا
طير يا طاير على طراف الدني...
لو
فيك تحكي للحبايب شو بني...
يا
طير...يا طير...
وحياة
ريشاتك وإيامي سوا...
وحياة
زهر الشوك وهبوب الهوا...
ان
كنك لعندن رايح وجن الهوى...
خدني
ولنو شي دقيقة وردني...
يا
طير...
"ثم
ماذا يا نجوى؟ ماذا بعد؟ إلى متى ستسكنينني،
ستحاصرينني، ستتدفقين كينبوع رقراق دائم
التفجر من أعمق أعماق روحي؟ إلى متى ستظل تلك
الشرفة التي استودعتُها وجهك وعينيك، وفية
لي، كأنني ذو إرادة سرمدية لا ترد؟ أطل إليها،
فتبتسم لي عيناك. حين كنتِ هناك، لم تكوني
كريمة إلى هذا الحد. كنتِ تبتسمين أحياناً،
لكنك كنتِ تعبسين في أحايين أخرى. الآن، ألمح
من تلك الشرفة ابتسامة خالدة لا تذوي. إلى
متى؟ إلى متى هذه البهجة المؤلمة التي يثيرها
انسياب روحك بين نافذتي وشرفتك؟"
"ألومكِ؟
ألوم نفسي؟ ألوم الظروف؟
الوقت
لم يعد مناسباً لذلك. ربما أخطأنا معاً. ربما
لم نكن في ذلك الوقت جديرين بأن نبني تلك
العلاقة الخالدة التي كانت ستقوم بيننا.
خربطة في التوقيت مرة أخرى، كما بالنسبة لكل
شيء في حياتي. لقد ظهرتِ أبكر قليلاً مما يجب،
وهذه الـ "قليلاً" كانت لها كلمة الحسم"
"نجوى.
نجواي. نجوى الله!"
"أسأل
نفسي أحياناً من أنت؟ ما أنت؟ ماذا كنتِ؟ أين
صرتِ؟
من
أنتِ حتى استطعتِ أن تفعلي بي كل ذلك؟ كان
يمكن لتلك أن تكون حكاية حب صغيرة تكررت ألف
ألف مرة قبل ذلك، لتنتهي في مرات كثيرة
بالرفاء والبنين، وفي مرات كثيرة أخرى
بالنسيان"
"إذن
من أنتِ حتى استطعتِ أن تفعلي غير ذلك؟ لقد
رحلتِ، لكنكِ مكثتِ. حاولت أن أقول لكِ ارحلي
أخيراً واتركيني بسلام، ونجحت في ذلك في بعض
الأوقات، لكنكِ تخلقتِ من جديد، وانبثقتِ
متدفقة من داخل روحي، كأجمل عناصرها وأبهى ما
فيها من جمال"
"يومها،
فكرت. أبحث عنك من جديد؟ لن أجد صعوبة في
العثور عليكِ بالتأكيد. ونبدأ من جديد إذن؟
كدت أفعل ذلك، لكنني في تلك الأيام بالذات
سمعت أنك قد تزوجتِ. خربطة في التوقيت من جديد.
رغم ذلك حاولت أن أخترع سيناريو يليق بفيلم
عربي من الدرجة الثانية. أنتِ تزوجتِ لأنك
تعذبتِ بما يكفي مع الحب، وكان أن قررتِ أنكِ
بعد الآن ستفكرين بعقلك. بالنسبة لشاعرة
مرهفة الحس، لا بد أن يخذلها العقل. إن
المنطقة الأكثر تألقاً عندها هي القلب، لا
العقل، وهكذا، ستفشل حين تعتمد على العقل.
إذن، أنت بين يدي زوج لا يقدّرك جيداً. لقد
خدعك بتغليف نفسه بقشرة لامعة من الأخلاق
والشعر، لكنه نزع عن نفسه هذه القشرة بعد
الزواج مباشرة، فتكشف عن إنسان قاسٍ لا يهمه
من الدنيا إلا المال، وعن زوج أناني لا يفكر
سوى بنفسه. لقد هزتكِ الخيبة، وها أنتِ في
سريره تتأملينه وهو نائم. كل الناس تبدو وادعة
عند النوم إلا هذا الرجل. إن قسوته بادية
للعيان حتى خلال النوم، وها هي الدمعة تنساب
على خدك، وتتمتمين: خسارة يا ... شجاع!"
"أية
أوهام! لو تحققت، لكان على الفارس الشجاع
الهمام أن يتحرك لإنقاذ حبيبته من تلك القسوة
التي تدمر حياتها وأعصابها ببطء. يأتي الرجل
ذو السواعد المفتولة، الذي يُفترض أنه أنا،
ويخرج حبيبته من السجن، فترتمي على صدره،
وتنظر إليه نظرة عاشقة استحقها أخيراً لأنه
تصرف برجولة وشهامة، ثم تتدفق السعادة"
"هل
هذا ما أتمناه في قرارة نفسي؟ إذن أنا عاشق
لئيم، يستعذب تعاسة محبويته من أجل أنانيته
القاتلة. لا. لست كذلك، وكان أن قررت: لن أبحث
عنكِ. لن أقف متفرجاً من بعيد على حبيبتي وهي
تخرج من بيتها متأبطة ذراع رجلها. ثم ماذا لو
رأيتها تخرج معه ضاحكة متألقة سعيدة؟ شيء ما
فيَّ كان سيقول: رائع! إنها سعيدة إذن. وشيء ما
آخر كان سيقول: واأسفاه. لقد نسيت شجاع إلى
الأبد. اسمعي: لا أريد أن أرى هذا ولا ذاك. لقد
رحلتِ، لا بأس، وسأكتفي منك بعد الآن
بالذكرى، بالطيف، بالأيقونة. هكذا قلت في ذلك
الوقت، وهكذا فعلت. جعلت من عينيك رفيقاً
دائماً لحياتي. جعلت منهما أيقونة أصلي
إليها، وأستمد منها مكافأتي وعقابي. إنها هي
التي تقول لي: رائع يا شجاع، ما تفعله رائع.
وهي نفسها التي تقول لي: خطأ. ما تفعله عيب
وخطأ بكل المقاييس. وهكذا حدث أن صرتِ لي
ضميراً لا مهادنة معه"
أعلى الصفحة التالي الصفحة الرئيسية