أطياف الشمس

القسم الأول: كُن 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10  11  12

القسم الثاني: فكان 1  2  3  4  5  6  7  8  9  10

القسم الثالث: ختام 1  2

PDF VERSION (complete) 

Home Page

-6-

-         بامتلاك القوة.

بطريقة حاسمة وواثقة، أتاني جوابه هذا حين كانت أصوات خطواتنا تخترق الصمت شبه الخاشع لليل دمشق المتأخر. كنتُ، متخلصاً من تأثير ما افترضتُه في البداية انهياراً للمشروع برمته، ومدفوعاً بفضول أدبي يحثني على الضغط على قتيبة لكي يُفصح عن قضيته، كنتُ قد سألته:

-         ترى، بأية وسيلة يمكن لنا بعد كل ما حدث في العالم من انهيارات للأحلام الكبرى، أن نواجه هذه الغابة التي تحول إليها العالم؟

كنتُ أطرح سؤالي وكأنني أكلم نفسي. تعمدتُ أن أظهر السؤال وكأنه تساؤل ذاتي يخيم عليه شيء من الحزن. لم أكن أرغب بأن يشعر بأنه يخضع لما يشبه التحقيق. هو أيضاً، تعامل مع سؤالي بهذه الطريقة، فلم يجب فوراً، بل بدا وكأنه يفكر. بالرغم من ذلك، أتى جوابه قاطعاً وواثقاً. لم يكن يفكر بماهية الجواب إذن، بل ربما كان يفكر فقط بترك مثل هذا الحديث يجري، أم بإيقافه عند هذه النقطة. قال:

-         بامتلاك القوة.

جواب ملائم تماماً لبطلي، لكنه ليس ملائماً تماماً للدكتور قتيبة مشهور، الذي دمعتْ عيناه قبل دقائق احتفاءً بطيف نجوى الذي مر أمامه. نظرتُ إليه بدهشة، وقلتُ:

-                     القوة؟

هز رأسه مؤكداً، وكرر:

-                     القوة.

قلتُ:

-         حقيقة يا قتيبة أنك تحيرني. أنت...

قاطعني مبتسماً:

-         رجل مدهش.

ضحكتُ وقلت:

-         فعلاً. أكثر بكثير مما تصورتُ في البداية.

-         وما الذي أدهشك الآن؟

-         الأمر واضح: هذا الانتقال السريع من ذكرى الحب، ومن الحديث عن ثقافة ترتكز إلى الشعر والفلسفة، إلى حديث عن القوة.

ابتسم قتيبة وقال:

-         هل شعرتَ بتناقض بين الأمرين؟ يا لك من مثقف إذن!

هجوم كاسح. لا، هذه المرة لم يبدُ الأمر كدعابة. كان انزعاجي واضحاً له، لذلك أضاف فوراً:

-         لا تنزعج يا صديقي. أنا أتكلم مع الأصدقاء ببساطة شديدة جداً، ودون تفحّص كل كلمة سأقولها.

-         إذن هذا هو رأيك الحقيقي؟

-                     فيم؟

-                     فيَّ أنا.

أطرق للحظات، ثم قال:

-         لا. لقد عبرتُ لك عن إعجابي بك منذ لقائنا الأول، وأؤكد لك أن هذا الإعجاب يتواصل، بل إنه يزداد.

ساد الصمت للحظات من جديد، إلى أن قطعه قائلاً:

-         لكن السؤال الذي طرحتَه يشبه نوعية من التفكير لا أكنُّ لها الكثير من الاحترام. ربما يُقال: لكي تكون شاعراً نموذجياً، عاشقاً نموذجياً، عليك أن تكون تطبيعياً من الطراز الأول، لأن ثقافة الحب والشعر، معادل موضوعي لثقافة السلام.

ابتسمتُ وقلتُ:

-         إذن الأشخاص عندك اثنان: إما تطبيعي أو حامل للسلاح؟

-         ليس بالضبط. لكن: إما تطبيعي أو مالك للسلاح.

عاد صوت خطواتنا يخترق السكون، لكنه توقف فجأة وقال:

-         اسمع. سؤالك الأساسي يغريني بمحاولة الإجابة عنه. أنت تحدثتَ عن انهيار الأحلام الكبرى على مستوى العالم، وعما يمكن عمله في مواجهة ذلك. أنت تنسب لنفسك دوراً عالمياً إذن؟ تريد مواجهة أزمة تلف العالم من أقصاه إلى أقصاه؟

بدا لي سؤاله اتهامياً، فأجبتُ مدافعاً:

-         بالطبع لا...

قاطعني:

-         ولكن لمَ لا؟ من حقك أن تفكر بهذه الطريقة. لن يجعلني انتمائي لبلد صغير مواطناً في عالم آخر. أنا ابن هذا العالم ومشكلاته تمسني حتى لو كنتُ أعيش في قرية نائية.

سألتُه:

-                     إذن؟

قال:

-         إذن عليكَ في البدء أن تحدد المشكلة. المشكلة حسب ما أراها تكمن في هذا الانتصار الذي يكاد يبدو نهائياً، لقيم السوق والمال والبورصات. لاقتصاد الألعاب والمقامرة. لصناعة الموت والدمار. أليس كذلك؟

هززتُ رأسي موافقاً، وقلتُ:

-                     بالتأكيد.

تابع قائلاً:

-         وعليك أن تسأل: من هو المهزوم أمام هذا المنتصر؟ ببساطة أقول لك إنه الإنسان. الإنسان في كل مكان. بالأحرى: إنسانية الإنسان في كل مكان، كرامته، حريته. توافقني؟

فكرتُ للحظات، ثم قلت:

-         ليس تماماً.

-                     لماذا؟

-         أعترض على قولك: "في كل مكان". الإنسان في الدول التي تمثل الانتصار الذي تحدثتَ عنه، رابح مع دولته.

-         هذا ما يبدو لك في الظاهر. هو يبدو لك مرتاحاً، يعيش في بحبوحة ويتنقل بسيارته ويدلي بصوته في الانتخابات، وتحيط به أسباب الرفاهية من كل جانب. هذا كله صحيح، لكن لأوضح لك رأيي دعنا نتحدث مباشرة عن أعظم الدول المنتصرة. إنها بالطبع أميركا. راقب حياة أسرة أميركية بسيطة وطبيعية، ستجد أسرة تشبه أسرتك ربما. طبعاً لا أتحدث عن الفوارق في السلوك، أو حتى الفوارق في الحقوق الإنسانية. لكنني أتحدث عن المدى الذي تصل إليه أحلام هذه الأسرة. هذا المدى لا يتجاوز، في الغالب، تأمين قوت العائلة ودراسة أبنائها واستشفائهم. لا علاقة لأسرة كهذه، على الإطلاق، بدسائس المخابرات المركزية، أو بالمصالح الدولية والإقليمية. يمكنك أن تسخر ما شئت من الموسيقى التي يسمعونها، أو تستهجن ترك ابنتهم تأتي بصديقها إلى غرفة نومها، لكن هذه فوارق ثقافية. هذه الأسرة هي النمط الغالب، وهي لم تنتج العولمة ولا شاركت في قصف العراق.

فكرتُ قليلاً ثم أجبت:

-         ربما، لكن أفرادها، على الأرجح، تظاهروا تأييداً لقصف العراق، وتبرعوا لصالح المنظمات الصهيونية.

-         هذا غير مؤكد إلى هذا الحد، ومع ذلك، إن كان قد حصل، فهو تعبير عن نقص في الوعي الثقافي والسياسي. إنهم أنفسهم، بعد أن شاركوا في تظاهرة مؤيدة لقصف العراق، قد يساهمون في جمع التبرعات لأطفال العراق.

ابتسمتُ، وقلتُ بشيء من السخرية:

-         أنت أيضاً؟

-         أنا أيضاً ماذا؟

-         تنسب إليهم فضائل قد لا تتوفر إلا في الملائكة.

رفع حاجبيه باستغراب، وأجاب:

-         هل تحدثتُ عن فضائل؟ أقول لك إنها أسرة عادية جداً، تعيش أيامها فقط وليست لها أية طموحات بالسيطرة على أيام الآخرين. ربما كانت أسرة سيئة جداً، بأب سكير وأم خائنة وأولاد شرسين. ليس هذا هو ما أتحدث عنه. أحاول فقط أن أقول لك إن هذه الأسرة لا يمكن اعتبارها من فئة المنتصرين.

-         ولا المهزومين على أية حال...

-         طبعاً، بل ربما كانت مستفيدة من الانتصار، لكنها لم تصنعه، ولم تكن لتوافق على الوسائل التي استُخدمت لإحرازه.

قلتُ برضى:

-         عظيم. وماذا بعد؟

تنفس بعمق، وقال:

-         حسناً. المنتصر هو قيم السوق: المال والسلاح وتجارة الفساد، والمهزوم هو قيم الشعر: الكرامة والحرية والعدالة. لكن كيف انتصر السوق؟ بما أنتجه من ثقافة؟ بما أنتجه من شعر وفلسفة؟ بالطبع لا، فالسوق لا ينتج ثقافة من الأساس. إنها نشاط لا يعنيه، وحين يحاول أن يفعل للتعويض عن هذا النقص، ينتج ثقافة تافهة لا تصمد أمام أبسط تحليل نقدي. انتصر فقط لأنه قوي. لأنه يمتلك السلاح.

-         صحيح. لكن ربما أيضاً كان السبب في انتصاره عائداً إلى أن قيمه أقرب إلى الغريزة الإنسانية.

-         هم يقولون ذلك، لكنهم هم، وأنت الآن، تفترضون طبيعة إنسانية شريرة. أنا لا أؤمن بذلك على الإطلاق. بالعكس تماماً. الإنسان بطبيعته منحاز للجمال. الإنسان العادي البسيط يمارس في بيته ومع جيرانه سلوكاً فيه الكثير من النبل. إنه لا يرضى على الإطلاق أن يطبق في بيته اقتصاد منافسة، اقتصاد لهاث رأسمالي، بالعكس، إنه يشرف بنفسه على تطبيق اقتصاد مشاركة وتعاون. اقتصاد اشتراكي تقريباً.

-         إذن القوة هي الحل؟

-         انتظر. لم أصل إلى هذه النهاية بعد. كنت أقول إن قيم السوق قد انتصرت لأنها تسلحت جيداً، لا لأي سبب آخر، وهذا...

-         لكن انتظر أنت الآن قليلاً. الاتحاد السوفييتي كان مسلحاً أيضاً، وقد هُزم.

رد فوراً:

-         أنا لم أزعم على الإطلاق أن القوة ضمان للفوز، لكنني أجزم تماماً بأن غيابها هو خير ضمان للهزيمة.

ساد الصمت من جديد للحظات. أخذت أؤنب نفسي على مقاطعتي له. أريد أن أسمع ما يريد قوله إلى النهاية دون أن أقطع تسلسل أفكاره. سأؤجل اعتراضاتي إلى النهاية إذن. قلتُ له بعد أن طال الصمت:

-         ألن تكمل فكرتك؟

بدا كأنه بوغت. يبدو أنه ذهب إلى مناطق أخرى. الذنب ذنبي. لم يكن يجدر بي أن أقاطعه. لكن لا. ها هو يتابع من حيث توقف بالضبط. قال:

-         رأيي هو أن قيم السوق قد انتصرت لأنها مسلحة أولاً، ولأسباب أخرى متعددة ثانياً، لكنها في مجملها لا توازي التسلح.  إذا كنتَ تريد أن تواجهها، عليك أن تتسلح أولاً، ثم تعالج الأسباب الأخرى ثانياً.

-         لكن من؟ عمن تتحدث؟ من هو المرشح اليوم لمناهضة قيم السوق والدفاع عن قيم الإنسان؟

-         أنت. أنت بالذات.

-                     أنا؟

-         أجل. أنت وأنا وغيرنا في هذه البلاد الصغيرة الفقيرة. نحن وُهبنا فرصة هائلة لذلك. نحن وُهبنا صراعاً كنا محظوظين جداً به.

نفضتُ رأسي، وقلتُ:

-         ما بك يا قتيبة؟ عمَّ تتحدث؟

-         عن الصراع العربي الإسرائيلي.

-         نحن محظوظون به؟

-                     جداً.

-         كيف؟ ألا ترى تقهقرنا الدائم فيه.

-         لم تفهمني إذن. أنا لم أتحدث عن النتائج. أكلمك فقط عن طبيعة الصراع. كنا سنكون محظوظين إلى أبعد حد لو لم يكن هناك أي صراع على الإطلاق، أما إذا كان لا بد من صراع، فأمر هائل أن تجد الصهيونية قبالتك، أمر هائل أن تكون في مقدمة الصراع الإنساني الصهيوني.

توقفتُ عن السير، ونظرتُ إليه ملياً، وقلت:

-         الصراع الإنساني الصهيوني. يا له من تعبير.

-         لا يتعلق الموضوع بأي نوع من البلاغة. إذا كنا نتحدث عن العالم، وعن الجمال والشعر، وعن السوق، فمن السهل أن نستنتج أن الإنسانية برمتها لديها مشكلة مع الصهيونية، كما أن لديها مشكلة مع العنصرية، كما أن لديها مشكلة مع قيم السوق. أنا شخصياً، كنت مستعداً للموت في سبيل إزالة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا. إنها مشكلة تخصني تماماً.

قلتُ مبتسماً:

-         لديك صراع هائل هنا، وتذهب للموت هناك؟

-         قلتُ لك: أنا مواطن في هذا العالم. قيم السوق لم تكن لتنتصر لو أنها تقوقعت في المركز. لا. لقد أنشأت لنفسها مراكز عالمية متعددة. الانتصار على واحد من هذه المراكز هو انتصار على قيم السوق بالذات. هو أمر لصالح قيام ثقافة تستند إلى الشعر والفلسفة كما قلتُ لك سابقاً.

فكرتُ ملياً، ثم قلت:

-         تعتمد على منطق غريب جداً، لكنك تصل إلى نتائج ترضيني تماماً.

-         ولماذا تقول إنه منطق غريب؟ أنا شخصياً أمتنع تماماً عن الدخول في صراع حول بضعة كيلومترات مربعة، أو لإعلاء شأن طائفة دينية. لا. لا توجد قضية من هذا النوع تستحق أن يموت إنسان واحد في سبيلها. هنا عندي صراع لا علاقة له بالكيلومترات المربعة. إنه صراع مع فكرة عنصرية أتت بمجموعات بشرية متفرقة من أربع جهات الأرض إلى بلد تصادف أنه يخصني إلى هذا الحد، مستندة إلى أوهام دينية. أتوا بهم وأنشأوا دولة. من أجل ذلك، الصهيونية مثال كامل الأركان على العدوان على الإنسان: العرقية والعنصرية والتفوق الديني والاحتلال العسكري. هذا، وإن لم يكن له علاقة مباشرة بقيم السوق، فإنه لا يمكن إلا أن ينسجم مع قيم السوق، بل لا يمكن أن ينسجم إلا معها. لذلك تجد الصهيونية وقيم السوق في تحالف دائم. لن تستطيع أن تحدد العنصر الأقوى في هذا التحالف، لكنني أزعم أن الصهيونية على درجة من البراعة جعلتها تتحول من الطرف الأضعف في بداية العلاقة، إلى الطرف الأقوى الآن.

صمت قليلاً، فقلتُ:

-         رائع، لكن هل نستطيع أن ندعي أن الطرف الآخر، نحن، لديه الثقافة المستندة إلى الشعر والفلسفة التي تحدثتَ عنها؟

-         أنت إذن توافق معي على أن الصهيونية نقيض كامل للجمال، للثقافة التي نتحدث عنها، ومن شأن رجل يعيش في قرى غينيا أن يواجهها؟

-         نعم، لكنني أتساءل: هي نقيض للجمال، ولكن نحن، هل نحن الجمال؟

-         بالطبع لا. ألم أقل لك إننا محظوظون بهذا الصراع؟ ربما لم نكن نحن الجمال، لكننا نحن الذين وُهبنا الفرصة للدفاع عنه. الجمال كما نفهمه، أنت وأنا، لم يوجد بعد. إنه الحلم. حين يهبك التاريخ فرصة الوقوف في مقدمة هذا الحلم، ألا يكون هذا أمراً رائعاً؟ أنت لديك مع الصهيونية مشكلة وطنية وقومية وجغرافية. مشكلة هوية. والعالم لديه مشكلة مع الصهيونية لأنها عرقية عنصرية دينية موالية لقيم السوق، أو منتجة لها. همّك الوطني الجزئي إذن هو جزء من قضية تخص الإنسان ككل. إذا خضتَ الصراع على هذا الأساس، فنعم: أنت الجمال، أما إذا خضتَه تحت راية أخرى، فلن يكون انتصارك ضماناً لانتصار الجمال على الإطلاق.

-         والانتصار هذا لا بد له من القوة؟

-         بكل تأكيد، بالرغم من أن أية معركة عسكرية لن تحدث.

-                     متأكد؟

-         ليس تماماً، لكننا إن امتلكنا القوة فهي لن تحدث بالتأكيد. الصراع عندها يصبح انتحاراً.

-         إذن تريد أن تضيّع جهدك ووقتك وأموالك في صناعة ما لن تستخدمه؟

-         هذا مؤسف جداً، لكن لا بديل أمامي. قبل أن أمتلك القوة فأنا مهزوم، أما بعد أن أمتلكها فإنني أعيد الصراع إلى نقطة الصفر. نصبح متكافئين، وهنا يصبح الصراع ثقافياً وحضارياً، ويمكن التحدث عن السياسة والإعلام والدعاية وغيرها. الجهد إذن لا يمكن اعتباره جهداً ضائعاً.

فكرت قليلاً، وقلت:

-         لا أريد أن تفهم أنني أقل حماساً منك لتحقيق مثل هذا الانتصار، لكنني أتساءل: هل يبقى الجمال جمالاً عندما يتسلح؟ عندما يمتلك القوة؟

ابتسم قتيبة ابتسامة عذبة، وقال:

-         هذا سؤال رائع. لا. النتيجة ليست مضمونة أبداً. لكن هذه أتركها عليك. أنت منتج للأدب، أي للجمال. أترك لك مهمة ضخ الجمال في قضيتك، في ضمير هذه القضية، في أناسها أيضاً.

همهمت بسخرية، وقلت:

-         وهل تعتمد عليَّ كثيراً في ذلك؟

-         كثيراً جداً، لكن كما قلت لك: أنا لا أضمن النتائج. لو قدِّر لي أن أحقق حلم القوة، ثم نهضتُ من القبر بعد مئة سنة لأجد أن الناس الذين تركتُ لهم هذه القوة قد تحولوا إلى مصدر لتهديم الجمال، لتهديم ثقافة الشعر والفلسفة، لربما بصقتُ في وجوههم، ووصفتهم بالجحود والعقوق، لكن هذا لن يدفعني إلى القول بأن ما اشتغلتُ في سبيله كان خطأ. لا. على الإطلاق. الآن هناك خراب قادم، لستُ أنا من أنجزه، وإذا أثمر جهدي التعجيل به، فهذه قضية توقيت لا تعنيني كثيراً، لكن جهدي هذا هو الأمل الوحيد الباقي لمنع هذا الخراب من أساسه.

أخذنا نسير لدقائق متعددة دون أن نتفوه بكلمة. كنتُ أمعن التفكير بكلامه. مملكة الجمال الصغيرة المهزومة، لا بد لها من القوة إذن؟ الشعر والفلسفة لا تحميهما إلا القوة؟ أي تناقض هذا. صحيح أنني رحبتُ علىالدوام بأي شبه انتصار تحقق في مسار الصراع العربي الصهيوني، إلا أنني لم أتخيل نفسي في يوم من الأيام مدافعاً عن القوة. وعن أية قوة يتحدث؟ كلامه واضح تماماً: عن القوة النووية. يا إلهي. صناعة الموت والدمار. صحيح، ألم يتلفظ هو بنفسه بهذه الكلمة؟ ها! لقد اصطدته الآن. قلت:

-         أنت تتحدث طوال الوقت مدافعاً عما سميتَه في البدء صناعة الموت والدمار. هل تريد أن تكون واحداً من المشتغلين بهذه الصناعة؟

ابتسم قتيبة وقال:

-         يا شجاع، يا عزيزي، افهمني. أكثر ما أتمناه وأكبر حلم لديَّ هو أن تصل الإنسانية إلى يوم لا يُضطر فيه إنسان واحد لإضاعة وقته في صنع قنبلة، بدلاً من قراءة الشعر وجمع الزهور وإنتاج قصص الحب. أنا أتحدث من موقع دفاعي بحت. أنا لا أصنع موتاً ودماراً. هذان صُنعا قبل ذلك بزمن طويل. ما أفعله هو الأمر الوحيد الذي ينقذني، بل وينقذ أعدائي، من الموت والدمار.

ابتسمتُ بسخرية، وقلت:

-         تخشى عليهم من الموت والدمار؟

-         أنا أكره الدم. أكرهه إلى أبعد حد ممكن. أريد تدمير الصهيونية، ويسرني إن استطعتُ أن أفعل ذلك دون إراقة دم صهيوني واحد. أنا أرفض أية عملية مقاومة تستهدق مدنيين. حين يُقتل طفل واحد من أطفال أعدائي، يصيبني الحزن. عندما تسأل منفذي العملية: أليس هذا إرهاباً؟ يقولون لك ببساطة إن هذا الطفل كان سيكون شارون آخر. هل أقبل بمنطق كهذا؟ ولماذا لا يكون فعنونو آخر، أو لماذا لا يكون واحداً من أولئك الرافضين للفكرة الصهيونية، للعدوان والتسلح؟ ثم إنه طفل. جاء إلى الموت بعد أن كان يلعب بالألعاب نفسها التي يحبها أطفالي، ويضحك بالطريقة نفسها.

إنه يعرف فعنونو إذن! إنه أيضاً يعمل في صناعة قنبلة لن يستخدمها أبداً. نعم. أراهن أن قتيبة لن يضغط الزر لو كان الأمر بيده. قررتُ أن أسأله بوضوح:

-         لو نجحت جهودك، وكان الأمر بيدك، هل من الممكن أن تضغط الزر؟

فكر قليلاً، ثم أجاب:

-                     نعم.

قلت باستنكار:

-                     نعم؟

-         في حالة واحدة. أن يكونوا هم من ضغط الزر أولاً.

-         لكنك كنتَ تتحدث عن الأطفال قبل قليل.

-         لكن، في حال قرروا الأمر هم، فلا يوجد أي منطق أو حكمة من ترك أطفالي يموتون وحدهم.

ضحكتُ، وقلتُ مداعباً:

-         إذن أعبر لك عن سروري الكامل بأن حديثك لا يدور إلا حول مجرد أوهام يستحيل تحققها في عصر العولمة هذا.

هز رأسه أفقياً عدة مرات مبتسماً وكأنه يريد أن يقول: "أي سخف"، ثم قال:

-         عولمة. يا أخي ما هي العولمة هذه؟ أشعر أحياناً أنهم يتفننون في إنتاج مفرداتهم، ثم نندفع نحن لفلسفتها أكثر منهم. هل نحن فعلاً في عصر جديد اسمه عصر العولمة؟ أنا شخصياً لا أذكر أنني شعرتُ أنني كنت أعيش في عصر "لا عولمة" ثم استيقظتُ ذات صباح لأجد نفسي في عصر "عولمة".

ابتسمتُ برثاء لهذه الفكرة السطحية، وقلت:

-         الأمر لم يحدث بين عشية وضحاها بطبيعة الحال.

-         حتى إنه لم يحدث بين قرن وآخر. اسمع، حين قال رجل من رجالهم عبارة "نهاية التاريخ" السخيفة، أطلقوا عليه وصف فيلسوف. هكذا بكل بساطة. أرادوا مكافأته لأنه عبّر بطريقة أفضل عما أراد قوله رئيسهم حين قال عبارة "النظام العالمي الجديد". العبارة أفضل دون شك، تمتلك جاذبية خاصة، لكنها ليست سهلة التسويق بعد. هنا حصلوا على "العولمة". كلمة جذابة وسهلة ولطيفة. إنها كلمة لا أكثر ولا أقل. ليست عصراً ولا حتى برهة تاريخية.

-         لكن لا تنكر أنها تعبر عن واقع جديد.

-         بلى. إنها الكلمة الاحتفالية التي يطلقونها على انتصار السوق. يريدون أن يقولوا لك إن العالم كله صار مجالاً مفتوحاً أمامهم.

-         ها أنت تعترف. هناك واقع جديد خلّفه انتصارهم.

-         وهل يمكن أن ينكر أحد ذلك؟ لكن مفردة "عولمة" لا هدف لها إلا إقناعك بأن هذا الواقع الجديد نهائي تماماً. لا أقبل فكرة كهذه. الصراع في العالم سيبقى مستمراً ما دام هناك إنسان يجوع، وتُنتهك كرامته وحريته. حتى إنني أقول لك إن العبارة تعجبني إذا كففتَ عن اعتبارها عصراً. "عولمة". يا له من اعتراف بأن الصراع قد أصبح عالمياً يخص كل سكان هذا الكوكب.

صمتنا لفترة طويلة. كان طيلة هذه الفترة مطرقاً وكأنه يفكر بأمر ما، ثم نظر إليَّ، وابتسم ابتسامة غامضة، وقال:

-         تعتقد إذن أنني لا أتحدث إلا عن أوهام؟

هززتُ رأسي مؤكداً، فمد يده بمرح وشبكها بيدي قائلاً:

-         تعال معي إذن. سأريك شيئاً.


أعلى الصفحة         التالي        الصفحة الرئيسية